المقريزي

45

رسائل المقريزي

جهمان « 1 » ، قلت لسفينة « 2 » : إن بنى أمية يزعمون أن الخلافة فيهم فقال : كذب بنو الزرقاء ، بل هم ملوك من أشر ملوك ، وأول الملوك : معاوية « 3 » . فصل : وما زلت طوال الأعوام الكثيرة أعمل فكرى في هذا وأشباهه على مدة يطول ذكرها ، وأذاكر به من أدركت من مشيخة العلم ، ومن لقيت من حملة الآثار ونقلة الأخبار ، فلا أجد في عمرى سوى رجلين : إما رجل عراه ما عرانى ، وساءه ما قد دهانى ، فهو يحذو في المقال حذوى ويشكو من الألم شكوى ، وإما رجل يرتع في ميدان تقليده ويجول في عرصات تهوره وتفنيده فلا يزيدني على التهويل والهدر التطويل إلى أن اتضح لي والحمد لله وحده سبب أخذ بنى أمية الخلافة ومنعها بنى هشام ؛ وذلك أن أعجب الأمور لا تزال أبدا تالية بصدورها ، والأسافل من كل شيء تابعة لأعاليها ، وكل أمر كان خافيا إذا انكشف سببه زال التعجب منه ، وما بعد على من بعد سبب . أخذ بنو أمية الخلافة وتقدمهم فيها على بني هاشم إلا من أجل الإعراض عن الاعتناء بتعرف أوائل ذلك ، وقلة البحث عن غوامضه ، وأن الشئ لم يوضع في موضعه ، وإنما سلك فيه الكافة إلا قليلا مذهب التعصب ، والواجب على العاقل بعد معرفة ما خفى عن السبب الإذعان والتسليم وترك الاعتراض . فما ذا بعد الحق إلا الضلال ، وذلك أنه لا خلاف بين أئمة الحديث ونقّاد الأخبار وعلماء السير والآثار ، أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم توفى وعامله على مكة أبو عبد الرحمن عتاب بن أسيد « 4 » بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي ، أحد من أسلم يوم فتح مكة ، وأنه لم يزل على مكة منذ فتحها الله على رسوله صلى اللّه عليه وسلّم

--> ( 1 ) في خ : سعيد بن حمدان ، والتصويب من كتب السنة . ( 2 ) سفينة : هو سفينة مولى أم سلمة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلّم ويقال : مولى رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم كان يسكن بطن نخلة ، قيل : اسمه رباح ، وسفينة لقب . انظر : الإصابة ( 2 / 58 ) أسد الغابة ( 2 / 324 ) ، التجريد ( 1 / 228 ) مستدرك الحاكم ( 2 / 701 ) . ( 3 ) لفظ الحديث : قال سعيد : قلت لسفينة : إن هؤلاء يزعمون أن عليا عليه السلام لم يكن بخليفة ؛ قال : كذبت أستاه بنى الزرقاء . يعنى بنى مروان . رواه أبو داود في السنن ( 4646 ) ك : السنة ب / 9 في الخلفاء ، وكذا رواه ابن أبي عاصم في « السنة » ( 2 / 550 ) من طريق ابن أبي شيبة ، وليس فيه اللفظ الذي ذكره المصنف . ( 4 ) أحد مسلمة الفتح ، أمه زينب بنت أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس ، توفى عتاب - رضي الله عنه - بمكة في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة . قال فيه صلى اللّه عليه وسلّم فيما رواه الحاكم : إن بمكة لأربعة نفر من قريش أرباهم عن الشرك وأرغب لهم في الإسلام : فذكر منهم عتاب بن أسيد . انظر : مستدرك الحاكم ك : معرفة الصحابة ( 3 / 595 - ذكر عتاب بن أسيد ) سيرة ابن هشام ( 4 / 74 ، 128 ) .