المقريزي
300
رسائل المقريزي
وينضج في الجوّ فيستحيل أيضا ، ويغلظ في اللّيل فيقع عسلا ، إلا أنّه يختلف في وقوعه إلى الأرض ، فمنه ما يقع عسلا كما هو في بعض الجبال . ومنه ما يقع على الأشجار والحجارة . وهذا القسم يختلف بحسب ما يقع عليه ، فما ظهر منه لقطه الناس وما خفى منه تلتقطه النحل . وتتصرف النحل فيما تلقطه منه تأثير ، فإنه يلقطه ليغتذى به ، وليدخره . وذكر أرسطو أن غذاء النحل من الفضول الحلوة ، والرّطوبات ، يرشح بها الزّهر والورق ، فتجمع ذلك كله ، وتدخره ، وهو العسل ؛ وتجمع مع ذلك رطوبات دسمة تتخذ منها بيوت العسل ، وهذه الدسومات هي الشمع ، وهي تلقطها بخراطيمها ، وتحملها على فخذيها ، وتنقلها من فخذيها إلى صلبها . وقال الكواشى « 1 » في « تفسيره » : إن العسل ينزل من السماء فيثبت في أماكن ، فتأتي النحل فتشربه ، ثم تأتى الخلية فتلقيه في الشمع المهيأ للعسل في الخلية ، لا كما يتوهّم بعض النّاس أنّ العسل من فضلات الغذاء ، وأنه قد استحال في المعدة عسلا . ومن العسل جنس سمّى ، من شمّه ذهب عقله ، فكيف من أكله . [ فوائد العسل ] أجود العسل : الصادق الحلاوة ، الطيب الرائحة ، مع ميل إلى الحرافة « 2 » والحمرة ، والمتانة ، وأن يكون لزجا لا يتقطع ، وأن يجنى في الربيع . وأردؤه : ما قطف في الشتاء . وطبع عسل النحل : حار يابس في الثانية ، فيه قوة جالبة ، مفتّحة لأفواه العروق ، لجلبه الرّطوبات من قعر البدن . وهو يمنع العفونة والفساد من اللّحم . وإذا لطّخ به البدن منع القمل ، والصئبان ، وقتلها .
--> ( 1 ) سبقت ترجمته . ( 2 ) الحرافة : هي الحدّة في الطعم ، ذات لذوعة في اللسان والحلق .