المقريزي
285
رسائل المقريزي
« اللصوص » ، فإذا قدرت النحل عليها ، أو ظفرت بها في مثاويها « 1 » قتلتها . ولا تخلو مثاويها - إذا سرحت - من حفظة منها تكون فيها . وإذا كان النحل كريما لم يترك في الخلية هامّة « 2 » تضر بالشّهد إلا قتلها أو أخرجها ؛ وأما غير الكريم فإنّه يتوانى ، ويتغافل ويترك أعماله تفسد ، وتهلك . ويعرض للخلية من بطالة النحل وتهاونها رائحة منتنة جدّا ، فتفسد . وجنس النحل ألطف أجناس الحيوان كلها ، ولذلك تكره كلّ رعى يكون منتنا ، أو زهم « 3 » الرائحة ؛ ولا تقرب الأنتان والأقذار ، وتكره أيضا الروائح الزهمة ، والأدهان ، وإن كانت عطرة ، وتلسع المتدهّن إذا دنا منها . وتوافقها الأصوات اللذيذة المطربة ، ولا يضررن بشئ من معايش الناس . والنحل يحب الصّعتر « 4 » ، وأجوده الأبيض . والنحل تستتر عن الريح ، وتشرب الماء الصّافى ، ولا تشرب إلا بعد إلقاء التّفل . والنحلة ذبابة ذات حمة ، وألسنة . وبهذا العضو توصّل جميع أجناس الأذية إلى غيرها ، وبه توصّل أيضا الطّعم إلى أجوافها ، لأن طعمها ليس سوى الرّطوبات ؛ فبهذا العضو تمتصّها ، ثم تردّ ألسنتها تلك في أوعيتها من أفواهها ؛ وسمّيت ألسنة ؛ وليست بألسنة ، ولا خراطيم ، ولكنّها بالألسنة أشبه . وإذا ترشّفت النحل تلك الحلاوة من الأزهار ، والأنوار ، فجمعتها في صدورها ، أقبلت إلى الشهد فأتاعته - أي : أفرغته ، في نخاريبه ، والنخاريب « 5 » :
--> ( 1 ) مثاويها : أمكنة إقامتها من ثوى المكان : أطال الإقامة به . القاموس ( 1 / 429 ) . ( 2 ) الهامّة : تطلق على الحيات وكل ذي سم ، وربما تقع على ما لا يقتل من دواب الأرض كالحشرات وغيرها وهو المراد هنا . انظر القاموس ( 4 / 534 ) لسان العرب ( همم ) . ( 3 ) الزّهم : الريح المنتنة العفنة . القاموس ( 2 / 488 ) . ( 4 ) الصّعتر : هو الزعتر النبات المعروف ، وهو طيب الرائحة ويستعمل حاليا في كثير من المستحضرات الطبية . انظر القاموس ( 2 / 821 ) ، المنجد في اللغة والأعلام ( 386 ) . ( 5 ) النّخروب : الشّقّ في الحجر ، أو الثّقب في كل شيء ، والنّخاريب : الثّقب المهيّأة من الشمع لتمج النّحل العسل فيها . القاموس ( 4 / 342 ) .