المقريزي
260
رسائل المقريزي
أهل الجنة . ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنما الأعمال بالخواتيم » « 1 » . فانظر - رحمك الله - كيف نبهنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم على التيقظ ، وأن لا نغترّ بما يبدو من ظاهر الأعمال . وإنّ العبرة بما يختم للعبد به . فلذلك طلب أهل الله من ربهم سبحانه أن يختم لهم بخير ، إذ خاتمة الخير هي المعتبرة عند الله ، وهي التي بها ينال العبد النجاة من النار ، والفوز بالجنة . وقد خرّج مسلم هذا الحديث مختصرا من طريق أبي هريرة رضي الله عنه ، فقال : ثنا قتيبة بن سعيد ، قال : أنبأنا عبد العزيز - يعنى ابن محمد - عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم قال : « إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة ، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار . وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار ، ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة » « 2 » . فانظر - رحمك الله - كيف نص في حديث أبي هريرة هذا على ذكر الخاتمة ، لا جرم أن كان طلب الخير أهم ما توجه إليه المتقون فقد جاء في بعض الآثار : المخلصون على خطر عظيم . وخرج هذا الحديث أيضا أبو بكر بن أبي شيبة من طريق أنس بسند في غاية الصحة وسياقة مفيد لما نحن بصدده ، فقال : أنا يزيد بن هارون عن حميد عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم قال : « لا عليكم ألا تعجلوا بحمد أحد حتى تنظروا بما يختم له ، فإن العامل يعمل زمانا من عمره أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة ثم يتحول فيعمل عملا سيئا ، وإن العامل ليعمل البرهة من دهره بعمل سيئ لو مات عليه دخل النار ، ثم يتحول فيعمل عملا صالحا ، وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله قبل موته » . قالوا : يا رسول الله ، وكيف يستعمله ؟ قال : « يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه » « 3 » .
--> ( 1 ) أثبتنا هذا الحديث بتمامه من صحيح البخاري - ك : القدر ، ب : العمل بالخواتيم ( 604 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم - ك : القدر ، ب : كيفية الخلق الآدمي ( 2651 ) . ( 3 ) صحيح : رواه أحمد في مسنده ( 3 / 120 ، 123 ، 230 ، 257 ) ، وابن أبي عاصم في « كتاب السنة » ( 1 / 174 ) ( 393 ) من طرق ، والآجري في « الشريعة » ( 185 ) ، عن أنس ، بلفظه ، وروى آخره « إذا أراد الله بعبده خيرا استعمله » مختصرا عند الترمذي ( 2142 ) ، والحاكم ك : الجنائز ( 1 / 340 ) ، وابن حبان ( موارد : 1821 ) ، وابن المبارك في « الزهد » ( 970 ) ، وأحمد في « الزهد » ( 398 ) ، وابن أبي عاصم في « السنة » ( 397 ) من طريق أبى بكر بن أبي شيبة . وإسناده صحيح على شرطهما كما قال الذهبي والحاكم .