المقريزي
257
رسائل المقريزي
هم الذين زين الله تعالى ظاهرهم بآداب الخدمة ونوّر بواطنهم بنور اليقين والمعرفة وجعلهم راحة لعباده . وقال القرطبي بعد ما ذكر قول قتادة : وقيل : إن يوسف لم يتمن الموت ، وإنما تمنى الوفاة على الإسلام : إذا جاء أجلى توفني مسلما ، وهذا قول الجمهور ، ثم ذكر الأحاديث الواردة في النهى عن تمنى الموت « 1 » وقال : إذا ثبت هذا فكيف يقال : إن يوسف تمنى الموت والخروج من الدنيا وقطع العمل ، هذا بعيد إلا أن يقال : إن ذلك كان جائزا في شرعته ، انتهى . وقد أثنى تعالى على الذين يدعونه فيقولون : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ وسماهم راسخين في العلم ، ومعلوم أن أحدا لا يدعو فيقول : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ « 2 » . ومعلوم أن أحدا لا يدعو فيقول : رب لا تسلبنى سمعي وبصرى بعد ما جعلتهما لي ، إلا وهو خائف عليهما وجل من ذهابهما ، فلما أثنى الله تعالى على الداعين إياه بذلك كان الثناء في الحقيقة بما استحقوه بمعرفتهم عند النعمة عليهم في هداية الله إياهم للإسلام ، وصانهم بها ، وخوفهم أن يسلبوها ، وهذا أصرح شيء في الحث على طلب خاتمة الخير . وقال تعالى حكاية عن أهل الجنة أنهم يقولون : إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ . فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ . إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ « 3 » فروى أنهم كانوا مشفقين من أن يسلبوا الإسلام فيوردوا يوم القيامة موارد الأشقياء ، وكانوا يدعون الله تعالى أن لا يفعل بهم ذلك ، فلما كانوا مشفقين أن يسلبوا الإسلام جزاهم ربهم سبحانه وتعالى بإشفاقهم عن دينهم الناشئ عن حبهم إياه ، وعرفانهم قدره ، أن ثبتهم عليه حتى إذا هم في الآخرة إلى رضوانه ، وحلول دار المقامة من جناته ، وقال تعالى : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً « 4 » إلى قوله : فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ « 5 » .
--> ( 1 ) انظر تفسيره « الجامع لأحكام القرآن » ( 9 / 176 ) . ( 2 ) آل عمران : 8 . ( 3 ) الطور : 26 ، 27 . ( 4 ) آل عمران : 191 . ( 5 ) آل عمران : 193 .