المقريزي
24
رسائل المقريزي
قام ذلك المقام ، وبتأسيسهم وتقديمهم نال تلك الرئاسة ، ولولا العادة المتقدمة والأجناد المجندة ، والصفائح « 1 » القائمة لكان أبعد خلق الله من ذلك المقام ، فالمستضعف عنده ، عثمان بن عفان رضي الله عنه ، والمداهن عنده معاوية رضي الله عنه ، والمأفون عنده يزيد بن معاوية ، والضعيف لا يكون خليفة ؛ لأنه الذي ينال القوى منه عند انتشار الأمر عليه ، والمداهن لا يكون إماما ولا يوثق منه بعقد ولا بوفاء عهد ، ولا بضمير صحيح ولا بعيب كريم ، والمأفون لا يكون إماما وهذا الكلام « 2 » نقض لسلطانه ، وعداوة لأهله ، وإفساد لقلوب شيعته ، وقرة عين عدّوه ، وعجز في رأيه ، فإنه لم يقدر على إظهار قوته إلا بأن يظهر عجز أئمته ، وقد كانت المنافرة لا تزال بين بني هاشم وبنى عبد شمس ، بحيث إنه يقال : إن هاشما وعبد شمس ولدا توأمين ، خرج عبد شمس في الولادة قبل هاشم وقد لصقت إصبع أحدهما بجبهة الآخر ، فلما نزعت دمى المكان ، فقيل : سيكون بينهما وولديهما دم فكان كذلك . وقيل : إن عبد شمس وهاشما كانا يوم ولدا . . . « 3 » وكانت جباههما ملصقة بعضها ببعض فأخذ السيف ففرّق بين جباههما بالسيف ، فقال بعض العرب : ألا فرّق ذلك بالدرهم ، فإنه لا يزال السيف بينهم في أولادهم إلى الأبد فكانت المنافرة بين هاشم بن عبد مناف وأخيه ، وإن هاشما كانت إليه الرفادة « 4 » التي سنّها جده قصى « 5 » بن كلاب بن مرة مع السقاية « 6 » ؛ وذلك أن أخاه عبد شمس كان يسافر وقلّ ما يقيم بمكة ، وكان رجلا مقلا وله ولد كثير ، فاصطلحت قريش على أن ولىّ هاشم
--> ( 1 ) يقصد أن ملكهم قام على السيف ، والبطش ، والغلبة . ( 2 ) لم يثبت عنه من طريق صحيح كما تقدم . ( 3 ) بياض بالأصل . ( 4 ) الرفادة : ما كانت تخرجه قريش من أموالها لتشترى به طعاما وشرابا لفقراء الحجاج في موسم الحج . المعجم الوجيز ( ص 270 ) ، سيرة ابن هشام ( 1 / 146 ) . ( 5 ) من أجداد قريش وأشرافهم ، ولى أمر البيت ، ومكة ، وتملك على قومه وأهل مكة فملّكوه ، وكانت إليه الحجابة والسقاية ، والرّفادة ، والنّدوة ( وهي الاجتماع للرأي والمشورة ) ، واللواء انظر : سيرة ابن هشام ( 1 / 140 ، 141 ) . ( 6 ) السّقاية : يعنى سقاية زمزم ، وكانوا يصنعون بها شرابا في الموسم للحجاج يمزجونه تارة بالعسل ، وتارة باللبن ، وتارة بالنبيذ .