المقريزي
224
رسائل المقريزي
ولم يخالطها شيء من الأجزاء الأرضية وأثرت فيها حرارة المعدن وطال وقوفها هناك ، فإنها تزداد صفاء وثقلا وغلظا ، فتنعقد منها الأحجار الصلبة التي لا تتأثر من الماء والنار كاليواقيت ، واختلفت ألوانها بسبب حرارة المعدن وقلّتها . أما القسم الثاني فيتولد من امتزاج الماء والأرض إذا كانت لزجة وأثرت فيها حرارة الشمس مدة طويلة ، ألا ترى أن النار إذا أثرت في اللين كيف تصليه وتصيّره أجزاء ، فإن الآجر صنف من الحجر إلا أنه رخو وكلما كان تأثير النار فيه أكثر كان أصلب ، ثم إن هذه الأحجار تختلف باختلاف الأماكن ، فإن كانت في بقاع سبخة تولدت منها أنواع الأملاح والبوارق والشبوب ، وإن كانت في بقاع غضة تولدت فيها أنواع الزاجات الأحمر والأصفر والأخضر ، وإن كانت في بقاع ترابية وطين حر انعقدت حجرا مطلقا ، وقد ينعقد الحجر في بعض المواضع من الماء . ومن خاصية ذلك الموضع أن يرى الماء في بعض المواضع يتقاطر من أعلاه ، فإن أخذ قبل أن يقع على الأرض بقي ماء ، وإن ترك حتى يقع على الأرض صار حجرا صلدا ، أو ما ذاك إلا لخاصية في ذلك الموضع يعقد بها الماء حجرا . ووجد في بعض المواضع حيوانات ونبات قد مسخها الله حجارة ، فجاز أن يكون بهذا الطريق وأن يكون قد أفاض الله تعالى على تلك الأرض قوة عند غضبه على سكانها حتى ظهرت من جوف الأرض وصيّرت عليها شبه حجر صلد . وحكى ابن سينا أنه كان على الجبل الذي « بجاجرم » فرأى جردقا « 1 » من الخبز أطرافها ذاتية ووسطها مقعر كما يكون بجرادق الخبز وعلى ظهرها خطوط كما يكون الخبز من أناشق التنور « 2 » ، فبواسطة هذه العلامات يغلب على الظن ولا يشك الناظر إليه أنه كان خبزا فمسخه الله حجرا . والجواهر المعدنية كثيرة ولم يعرف الناس منها إلا القليل . والأحجار منها ما هو صلب لا يذوب بالنار ولا تعمل فيه القوس كاليواقيت ، ومنها ما هو تراب رخو يذوب في الماء كالأملاح والزاجات ، ومنها ما هو نبات مصنوع كإقليميا الذهب والفضة والزنجفر والزيجات . ومنها ما بينه وبين آخر ألفة كالذهب والماس ، فإن الماس إذا قرب من الذهب
--> ( 1 ) الجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب ، إلّا أن يكون معرّبا أو حكاية صوت مثل : الجردقة وهي الرغيف . مختار الصحاح ( 69 ) . ( 2 ) التنور : الفرن يخبز فيه .