المقريزي
216
رسائل المقريزي
والغدران « 1 » ، وفيها منافذ وخلجان تجرى بعضها إلى بعض دائما ، والرياح والغيوم والأمطار لا تنقطع منها أبدا ألا أن البقاع تختلف شرقا وغربا وجنوبا وشمالا في الليل والنهار والصيف والشتاء ، والمعادن والنبات والحيوان أبدا في الكون والفساد ، فما في الأرض موضع إلا وهناك معدن أو نبات أو حيوان بحسب اختلاف صورتها ومزاجها وأجناسها وألوانها وأنواعها ، لا يعلم تفصيلها إلا الله خالقها لا إله إلا هو . فصل : الأجسام المتولدة إما نامية أو غير نامية ، والنامية إما أن تكون لها قوة الحس والحركة أو لا ، فالتي لها الحس والحركة هي الحيوان ، والتي لا حس لها ولا حركة فهي النبات « 2 » وغير النامية فهي المعادن ، وأول ما تستحيل إليه الأركان الأبخرة والعصارات ، فالبخار ما يصعد من لطيف مياه البحار والآبار والآجام بواسطة تسخين الشمس ، والعصارات ما يمكث في بطن الأرض من مياه الأرض ويختلط بالأجزاء الأرضية فيغلظ وتنضجها الحرارة المختنقة في عمق الأرض فتصيرها مادة للمعادن والنبات والحيوان ، وأول مراتب الكائنات تراب وآخرها نفس ملكية « 3 » . فالمعادن أولها متصل بالتراب وآخرها متصل بالنبات ، والنبات أوله متصل بالنبات وآخره متصل بالإنسان ، والإنسان أوله متصل بالحيوان وآخره متصل بالملائكة . وبيان ذلك : أن أول المعادن الجص والملح مما يلي التراب ، فهو تراب رملى حصل له بلل من الأمطار فانعقد وصار حصى ، والملح مما يلي الماء وهو ما امتزج بآخرا سبخة من الأرض فانعقد ملحا . وآخر المعادن مما يلي الكمأة « 4 » وهي تتكون في التراب كالمعدن وتنبت في
--> ( 1 ) الغدير : عن الجغرافيين النهر الصغير ( ج ) غدران . ( 2 ) قد أثبت العلم الحديث أن النبات يحسّ ويتنفس ويتمايل طربا عند سماع بعضه إلى الموسيقى . ( 3 ) قال الشريف الجرجاني في تعريفاته : النفس هي الجوهر البخاري اللطيف ، الحامل لقوة الحياة والحسّ والحركة الإرادية ، والنفس الأمارة هي التي تميل إلى الطبيعة البدنية وتأمر باللذات والشهوات الحسيّة وتجذب القلب إلى الجهة السفلية . والنفس اللوامة : هي التي تنورت بنور القلب قدر ما تنبّهت به عن سنة الغفلة . ( التعريفات : الجرجاني ص 271 وما بعدها - دار الرشاد ) . ( 4 ) الكمء : فطر من الفصيلة الكمئية ، وهي أرضية تتفتح حاملات أنواعها فتجنى وتؤكل مطبوخة ويختلف حجمها بحسب الأنواع ( ج ) أكمؤ . الوجيز ( 540 ) .