المقريزي

174

رسائل المقريزي

لعظمهم وشدة بأسهم ، ولعزة ملكهم وكثرة شأوهم وخنزوانية « 1 » سلطانهم ، يجعلون بإزاء هذه المحقرات نحاسا يضربون منه قطعا صغارا تسمى فلوسا « 2 » لشراء ذلك ، ولا يكاد يوجد منها إلا اليسير ، ومع ذلك فإنها لم تقم أبدا في شيء من هذه الأقاليم ، بمنزلة أحد النقدين قط . وقد كانت الأمم في الإسلام وقبله ، لهم أشياء يتعاملون بها بدل الفلوس كالبيض والكسر من الخبز والورق ولحاء « 3 » الشجر والودع « 4 » الذي يستخرج من البحر ويقال له : الكورى وغير ذلك . وقد استقصيت ذكره في كتاب ( إغاثة الأمة بكشف الغمّة ) وكانت الفلوس لا يشترى بها شيء من الأمور الجليلة وإنما هي لنفقات الدور ، ومن أنعم النظر « 5 » في أخبار الخليفة عرف ما كان الناس فيه بمصر والشام والعراق من رخاء الأسعار ، فيصرف الواحد العدد اليسير من الفلوس في كفاية يومه . فلما كانت أيام محمود بن علي ، أستادار الملك الظاهر برقوق ، استكثر من الفلوس ، وصارت الفرنج تحمل النحاس الأحمر رغبة في فائدته ، واشتهر الضرب في الفلوس عدة أعوام والفرنج تأخذ ما بمصر من الدراهم إلى بلادهم ، وأهل البلد تسبكها ، لطلب الفائدة حتى عزّت وكادت تفقد ، وراجت الفلوس رواجا عظيما حتى نسب إليها سائر المبيعات وصار يقال : كل دينار بكذا من الفلوس . وتالله ، إن هذا الشئ يستحيا من ذكره لما فيه من عكس الحقائق إلا أن الناس لطول تمرنهم عليه ألفوه ، إذ هم أبناء العوائد ، وإلا فهو في غاية القبح ، والمرجو أن يزيل الله عن بلاد مصر هذا العار ، بحسن السفارة الكريمة ، أرجو إن شاء الله تعالى أن يكون الأمر فيه هينا ، وذلك أن ينظر إلى النحاس الأحمر القرص المجلوب من بلاد الفرنج كم سعر القنطار منه ، ويضاف إلى ثمن القنطار جملة ما يصرف عليه بدار الضرب إلى أن يصير فلوسا ، فإذا جمل ذلك عرف كم يصرف لكل دينار

--> ( 1 ) الخنزوانية : أي الكبر . ( 2 ) الفلوس : جمع فلس ، وأصلها أفلس ، وهو نقد أثينى وكان يساوى 15 سنتيما . ( 3 ) لحاء الشجر : أي قشره . ( 4 ) الودع : هو خرز بيض تخرج من البحر بيضاء ، شقها كشق النواة . ( 5 ) في الأصل المطبوع : ومن أمعن النظر .