المقريزي
172
رسائل المقريزي
الراشدين ، وقد تقدم بيان ذلك فلا حاجة إلى إعادته . الثالثة : أنه لم يتبع سنّة المفسدين الذين نهى الله عن اتباعهم بقوله عز وجل : وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ « 1 » وبيان ذلك : أن الدراهم لم تغشّ إلا عند تغلب المارقين الذين اتبعوا قوما قد ضلوا كما مرّ آنفا . الرابعة : أنه نكب عن الشره في الدنيا ، وذلك أن الدرا ؟ ؟ هم لم تغشّ إلا للرغبة في الازدياد منها . الخامسة : أنه أزال الغش عملا بقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « من غشنا فليس منا » « 2 » . السادسة : أنه فعل ما فيه نصح لله ولرسوله ، وقد علم قوله عليه أفضل الصلاة والسلام : الدين النصيحة . الحديث « 3 » . ويمكن أن يتلمح لها فوائد أخر . وإنه ليكثر تعجّبى من كون هذه الدراهم المؤيدية ولها من الشرف والفضل ما ذكر ، وللملك المؤيد من عظيم القدر ، وفخامة الأمر ما هو معروف ، ومع ذلك تكوم مضافة ومنسوبة إلى الفلوس ، التي لم يجعلها الله تعالى قط نقدا في قديم الدهر وحديثه ، إلى أن راجت في أيام أقبح الملوك سيرة وأردأهم سريرة : الناصر فرج ، وقد علم كل من رزق فهما وعلما أنه حدث من رواجها خراب الإقليم ، وذهاب نعمة أهل مصر وأن هذا في الحقيقة كعكس للحقائق ، فإن الفضة هي نقد شرعي ، لم تزل في العالم والفلوس ، إنما هي أشبه بلا شيء ، فيصير المضاف مضافا إليه ، اللهم ألهم مولانا الملك المؤيد بحسن السفارة الكريمة ، أن يألف من أن يكون نقده مضافا إلى غيره ، وأن يجعل نقده تضاف إليه النقود ، كما جعل الله تعالى اسمه الشريف يضاف إليه اسم كل من رعيته ، بل كل ملك من مجاورى ملكه ، والأمر في ذلك سهل إن شاء الله تعالى .
--> ( 1 ) الأعراف : 142 . في الأصل : « وأصلح ولا تتبع المفسدين » وهو خطأ ، والصواب ما أثبتناه . ( 2 ) أخرجه مسلم في الإيمان ( 164 ) ، وأبو داود في البيوع ( 50 ) ، والترمذي في البيوع ( 70 ) ، وابن ماجة في التجارات ( 36 ) . ( 3 ) نص الحديث هكذا . . . عن تميم الداري : أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « الدين النصيحة » ؟ قلت : لمن ؟ قال : « لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم » أخرجه مسلم والبخاري في الإيمان .