المقريزي
119
رسائل المقريزي
قول أهل الحق في العبادة : الصنف الرابع : هم القائلون « 1 » بالجمع بين الخلق والأمر والقدر والسبب ، فعندهم أن سر العبادة وغايتها مبنى على معرفة حقيقة الإلهية ومعنى كونه سبحانه وتعالى إلها وأن العبادة موجب الإلهية وأثرها ومقتضاها وارتباطها ، كارتباط متعلق الصفات بالصفات ، وكارتباط المعلوم بالعلم والمقدور بالقدرة ، والأصوات بالسمع ، والإحسان بالرحمة ، والإعطاء بالجود . فعندهم من قام بمعرفتها على نحو الذي فسرناها به لغة وشرعا مصدرا وموردا استقام له معرفة حكمة العبادات وغايتها به وعلم أنها هي الغاية التي خلقت لها العباد ولها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وخلقت الجنة والنار . وقد صرح سبحانه وتعالى بذلك في قوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 2 » فالعبادة هي التي ما وجدت الخلائق كلها إلا لأجلها كما قال تعالى : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً « 3 » أي مهملا . قال الشافعي رحمه الله : لا يؤمر ولا ينهى « 4 » . وقال غيره : لا يثاب ولا يعاقب . وهما تفسيران صحيحان ، فإن الثواب والعقاب مترتب على الأمر والنهى . والأمر والنهى هي طلب العبادة وإرادتها . وحقيقة العبادة امتثالها ؛ ولهذا قال تعالى : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا « 5 » وقال تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ « 6 » وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ « 7 » فأخبر الله تعالى أنه خلق السماوات والأرض بالحق المتضمن أمره ونهيه وثوابه وعقابه .
--> ( 1 ) وصف ابن القيم الصنف الرابع فقال : « وأما الصنف الرابع وهم الطائفة المحمدية الإبراهيمية ، أتباع الخليلين ، العارفون بالله وحكمته في أمره وشرعه وخلقه ، وأهل البصائر في عبادته ، ومراده بها . فالطوائف الثلاثة محجوبون بما عندهم من الشبه الباطلة ، والقواعد الفاسدة ، وما عندهم وراء ذلك شيء . . . » التفسير القيم ( 87 ) . ( 2 ) الذاريات : 56 . ( 3 ) القيامة : 36 . ( 4 ) نقله ابن كثير في تفسيره ( 4 / 452 ) ، وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وقال السدى : أن يترك سدى ، أي : لا يبعث . قال ابن كثير : والظاهر أن الآية تعم الحالين . وكذا قال ابن القيم في تفسيره القيم ( 88 ) . ( 5 ) آل عمران : 191 . ( 6 ) الحجر : 85 . ( 7 ) الجاثية : 22 .