المقريزي

117

رسائل المقريزي

أوجبت عليه سبحانه وتعالى رعاية المصالح وجعلت ذلك كله بمحض الأعمال ، وأن وصول الثواب إلى العبد بدون عمله فيه تنقيص باحتمال منة الصدقة عليه بلا ثمن ، فجعلوا تفضله سبحانه وتعالى على عبده بمنزلة صدقة العبد على العبد وإعطائه ما يعطيه أجره على عمله أحب إلى العبد من أن يعطيه فضلا منه بلا عمل ، ولم يجعلوا للأعمال تأثيرا في الجزاء البتة . والطائفتان منحرفتان عن الصراط المستقيم ، وهو أن الأعمال أسباب إلى الثواب ، والأعمال الصالحات من توفيق الله وفضله وليست قدرا لجزائه وثوابه ، بل غايتها إذا وقعت على أكمل الوجوه أن تكون شكرا على أحد الأجزاء القليلة من نعمه سبحانه وتعالى ، فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ، ولو رحمهم لكان رحمته لهم خيرا من أعمالهم . الأعمال سبب لدخول الجنة : وتأمل قوله تعالى : وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ « 1 » مع قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله » « 2 » . نجد الآية تدل على أن الجنان بالأعمال ، والحديث ينفى دخول الجنة بالأعمال ، ولا تنافى بينهما ؛ لأن توارد النفي والإثبات ليس على محل واحد ، فالمنفى باء الثمنية واستحقاق الجنة بمجرد الأعمال ردا على القدرية المجوسية التي زعمت أن الفضل بالثواب ابتداء متضمن لتكدير المنة . والباء المثبتة التي وردت في القرآن هي باء السببية ردا على القدرية الجبرية الذين يقولون : لا ارتباط بين الأعمال « 3 » وجزائها

--> ( 1 ) الزخرف : 72 . ( 2 ) متفق عليه : رواه البخاري ك : المرضى ب / 19 تمنى المريض الموت ( 5673 ) ، ومسلم ك : صفات المنافقين ب / 17 رقم ( 75 / 2816 ) . ( 3 ) قال النووي رحمه الله : « مذهب أهل السنة أن الله تعالى لا يجب عليه شيء ، بل العالم ملكه والدنيا والآخرة في سلطانه يفعل فيهما ما يشاء ، فلو عذب المطيعين ، والصالحين أجمعين وأدخلهم النار كان عدلا منه ، وإذا أكرمهم وأدخلهم الجنة فهو فضل منه ، وأما المعتزلة فيثبتون الأحكام بالعقل ويوجبون ثواب الأعمال ، ويوجبون الأصلح ، وفي ظاهر هذه الأحاديث دلالة لأهل الحق أنه لا يستحق أحد الثواب والجنة بطاعته . أما قوله : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ، وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يدخل بها الجنة فلا يعارض هذه الأحاديث ، بل معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال ، ثم التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها وقبولها برحمة الله تعالى وفضله ، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل وهو مراد الأحاديث ، ويصح أنه دخل بالأعمال أي بسببها ، وهي من الرحمة » شرح مسلم ( 15 / 161 ) للنووي .