المقريزي
110
رسائل المقريزي
من يقول بها ويترك السنن والنوافل ويعلم العلم النافع لجمعيته . والحق أن الجمعية حظ القلب ، وإجابة داعى الله حق الرب فمن آثر حق نفسه على حق ربه فليس من العبادة في شيء « 1 » . الصنف الثالث : رأوا أن أفضل العبادات ما كان فيه نفع متعد فرأوه أفضل من النفع القاصر ، فرأوا خدمة الفقراء والاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم ومساعدتهم بالجاه والمال والنفع أفضل لقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « الخلق عيال الله « 2 » وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله » « 3 » . قالوا : وعمل العابد قاصر على نفسه ، وعمل النفاع متعد إلى الغير ، فأين أحدهما من الآخر ، ولهذا كان « فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب » « 4 » ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلّم لعلى : « لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم » « 5 » ، وقال : « من دعا إلى
--> ( 1 ) وذكر ابن القيم في هذا الموضع أن بعض هؤلاء سأل بعض الأئمة العارفين فقال : إذا أذن المؤذن وأنا في جمعيتى على الله ، فإن قمت وخرجت تفرقت ( أي ذهب حاله الذي هو فيه ) ، وإن بقيت على حالي بقيت على جمعيتى ، فما الأفضل في حقي ؟ فقال الشيخ : إذا أذن المؤذن وأنت تحت العرش فقم ، وأجب داعى الله ، ثم عد إلى موضعك . وهذا لأن الجميعة على الله : حظ الروح ، وإجابة الداعي : حق الرب ، ومن آثر حظ روحه على حق ربه فليس من أهل « إياك نعبد » . مدارج السالكين ( 1 / 37 ) ، والتفسير القيم ( ص 77 ) . ( 2 ) قال ابن طولون في « الشذرة في الأحاديث المشتهرة » ( 1 / 274 ) . قوله : ( عيال الله ) مخرجه كما قال العسكري على المجاز والتوسع ، كأن الله لما كان المتضمن بأرزاق العباد والكافل لهم كان الخلق كالعيال له . ونحوه حديث : « إن لله أهلين من الناس ، أهل القرآن وهم أهل الله » أي : خاصته . وانظر شرحه في كشف الخفا ( 1 / 458 ) للعجلوني . ( 3 ) رواه البزار ( كشف الأستار ) ( 1949 ) ، والطبراني في « مكارم الأخلاق » ( 342 - رقم 87 ) وأبو يعلى في مسنده ( 6 / 3315 ) ، والقضاعي في مسند الشهاب ( 1306 ) ، والبيهقي في « شعب الإيمان » ( 6 / 43 ) عن أنس ، ورواه ابن عدي في الكامل ( 6 / 340 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 2 / 102 ) ، والطبراني في « الكبير » ( 10 / 105 ) ( 10033 ) عن ابن مسعود ، ورواه عبد الله ابن أحمد في « زوائد الزهد » مرسلا عن الحسن البصري ، ومال جمع من أهل العلم كابن طولون في « الشذرة » ( 1 / 273 ) ، والهندي في « تذكرة الموضوعات » ( 68 ) ، والمناوي في « فيض القدير » ( 1 / 174 ) إلى تقويته بشواهده . ( 4 ) رواه الترمذي ك : العلم : ( 2682 ) ، وابن ماجة في المقدمة ( 223 ) ، وابن حبان في صحيحه « موارد » ك : العلم ( 80 ) ، والخطيب في « الفقيه والمتفقه » ( 1 / 17 ) وصححه ابن حبان ، وهو جزء من حديث أبي الدرداء . ( 5 ) رواه البخاري ك : الجهاد : ( 2943 ) ، ومسلم ك : فضائل الصحابة : ب / 4 ( 34 / 2406 ) ، وأحمد في مسنده ( 5 / 334 ) ، والطحاوي في معاني الآثار ( 3 / 207 ) .