الجاحظ

83

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )

رابع لها ، ولا سبيل لك ولا لغيرك إلى غاية الإحاطات ؛ لاستئثار اللّه بها . ولن تهنأ بعيش مع شدّة التحرّز ، ولن يتّسق لك أمر مع التضييع . فاعرف أقدار ذلك . فما غاب عنك مما قد رآه غيرك ممّا يدرك بالعيان ، فسبيل العلم به الأخبار المتواترة ، التي يحملها الوليّ والعدوّ ، والصّالح والطّالح ، المستفيضة في الناس ، فتلك لا كلفة على سامعها من العلم بتصديقها . فهذا الوجه يستوي فيه العالم والجاهل . وقد يجيء خبر أخصّ من هذا إلّا أنّه لا يعرف إلّا بالسّؤال عنه ، والمفاجأة لأهله ، كقوم نقلوا خبرا ، ومثلك يحيط علمه أنّ مثلهم في تفاوت أحوالهم ، وتباعدهم من التّعارف ، لا يمكن في مثله التّواطؤ وإن جهل ذلك أكثر الناس . وفي مثل هذا الخبر يمتنع الكذب ، ولا يتهيّأ الاتفاق فيه على الباطل . وقد يجيء خبر أخصّ من هذا ، يحمله الرجل والرجلان ممن يجوز أن يصدق ويجوز أن يكذب ، فصدق هذا الخبر في قلبك إنّما هو بحسن الظّنّ بالمخبر ، والثّقة بعدالته . ولن يقوم هذا [ الخبر ] من قلبك ولا قلب غيرك مقام الخبرين الأوّلين [ أبدا ] . ولو كان ذلك كذلك بطل التصنّع بالدّين واستوى الظاهر والباطن من العالمين . ولما أن كان موجودا في العقول أنّه قد يفتّش بعض الأمناء عن خيانة ، وبعض الصّادقين عن كذب ، وأنّ مثل الخبرين الأوّلين لم يتعقّب الناس في مثلهما كذبا قطّ ، علم أنّ الخبر إذا جاء من مثلهما جاء مجيء اليقين ، وأنّ ما علم من خبر الواحد فإنّما هو بحسن الظنّ والائتمان . فهذه الأخبار عن الأمور التي تدركها الأبصار . فأمّا العلم بما غاب مما لا يدركه أحد بعيان ، مثل سرائر القلوب وما أشبهها ، فإنّما يدرك علمها بآثار أفاعيلها وبالغالب من أمورها ، على غير إحاطة كإحاطة اللّه بها .