الجاحظ
67
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )
فلمّا حزت المؤانسة ، وتقلّبت من فضلك في صنوف النّعمة ، وزاد بصري من مواهبك في السّرور والحبرة ، أردت خبرة المشاهدة ، فبلوت أخلاقك ، وامتحنت شيمك ، وعجمت مذاهبك على حين غفلاتك ، وفي الأوقات التي يقلّ فيها تحفّظك ، أراعي حركاتك ، وأراقب مخارج أمرك ونهيك ، فأرى [ من ] استصغارك لعظيم النّعم التي تنعم بها ، واستكثارك لقليل الشّكر من شاكريك ، ما أعرف به [ و ] بما قد بلوت من غيرك ، وما قد شهدت لي به التّجارب ، أنّ ذلك منك طبع غير تكلّف . هيهات ! ما يكاد ذو التكلّف أن يخفى على أهل الغباوة ، فكيف على مثلي من المتصفّحين . فزادتني المؤانسة فيك رغبة ، وطول العشرة لك محبّة ، وامتحاني أفاعيلك لك تفضيلا ، وبطاعتك دينونة . وكان من تمام شكري لربّي وليّ كلّ نعمة ، والمبتدئ بكلّ إحسان ، الشكر لك والقيام بمكافأتك بما أمكن من قول وفعل ، لأنّ اللّه تبارك وتعالى نظم الشّكر له بالشّكر لذي النّعمة من خلقه ، وأبى أن يقبلهما إلّا معا ، لأنّ أحدهما دليل على الآخر ، وموصول به . فمن ضيّع شكر ذي نعمة من الخلق فأمر اللّه ضيّع ، وبشاهده استخف . ولقد جاء بذلك الخبر عن الطّاهر الصادق صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم « من لم يشكر للناس لم يشكر للّه » . ولعمري إنّ ذلك لموجود في الفطرة ، قائم في العقل : أنّ من كفر نعم الخلق كان لنعم اللّه أكفر ، لأنّ الخلق يعطى بعضهم بعضا بالكلفة والمشقّة ، وثقل العطية على القلوب ، واللّه يعطي بلا كلفة . ولهذه العلّة جمع بين الشّكر له والشكر لذوي النّعم من خلقه . فلما وجبت عليّ الحجّة بشكرك ، ! وقطع عذري في مكافأتك ، اعترفت بالتقصير عن تقصي ذلك ، إلّا أنّي بسطت لساني بتقريظك ونشر محاسنك . موصول ذلك منّي عند السامعين بالاعتراف بالعجز عن إحصائها .