الجاحظ

65

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )

[ 1 - تقريظ محمد بن أبي دؤاد ] حفظك اللّه وأمتع بك . أما بعد فإنّ جماعات أهل الحكمة قالوا : واجب على كلّ حكيم أن يحسن الارتياد لموضع البغية ، وأن يبيّن أسباب الأمور ويمهّد لعواقبها . فإنّما حمدت العلماء بحسن التثبّت في أوائل الأمور ، واستشفافهم بعقولهم ما تجيء به العواقب ، فيعلمون عند استقبالها ما تؤول به الحالات في استدبارها . وبقدر تفاوتهم في ذلك تستبين فضائلهم . فأمّا معرفة الأمور عند تكشّفها وما يظهر من خفيّاتها فذاك أمر يعتدل فيه الفاضل والمفضول ، والعالمون والجاهلون . وإنّي عرفتك - أكرمك اللّه - في أيام الحداثة ، وحيث سلطان اللّهو المخلق للأعراض أغلب على نظرائك ، وسكر الشباب والجدة المتحيّفين للدّين والمروءة مستول على لداتك فاختبرت أنت وهم [ ففقتهم ] ببسطة المقدرة وحميّا الحداثة ، وطول الجدة ، مع ما تقدّمتهم فيه من الوسامة في الصّورة ، والجمال في الهيئة . وهذه كلّها أسباب [ تكاد أن ] توجب الانقياد للهوى ، ولجج من المهالك لا يسلم منها إلّا المنقطع القرين في صحّة الفطرة ، وكمال العقل . فاستعبدتهم الشّهوات حتى أعطوها أزمّة أديانهم ، وسلّطوها على مروءاتهم وأباحوها أعراضهم ، فآلت بأكثرهم الحال إلى ذلّ العدم وفقد عزّ الغنى في العاجل ،