الجاحظ

53

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )

ولذا أكثروا من التزوج منهم ، وفي الاسلام انكر العرب فضل السودان عليهم على الرغم من ضرب الأمثال بملوك السودان وتقدمهم على ملوك العرب أمثال أبرهة وأبي يكسوم . ثم انتقل الجاحظ إلى الحديث عن اللون الأسود وقيمته ومنشئه وجماله ، وأتى بآراء اجتماعية ونفسية طريفة . فهو يرى أن اللون الأسود أشد مهابة من اللون الأبيض . والحيوانات والأشياء السوداء تتصف بالقوة والبهاء ، فالخيل الدهم ابهى وأقوى ، والبقر السود أحسن وجلودها أثمن وأبقى وادسم لبنا . وكل حجر اسود يكون اصلب ، واشهى التمور واحلاها الأسود . وأعلى العيدان وأسلمها الآبنوس الأسود . وأجمل الشعر الأسود ، وحدقة العين السوداء أحسن ما في العين ، والكحل الذي يكتحل به للتزين اسود اللون ، وسويداء القلب أعز ما فيه ، وأطيب ما في المرأة شفتاها السوداوان . وقد قال الرسول : « بعثت إلى الأحمر والأسود » ومعنى ذلك أنه بعث إلى السودان . والحجر الأسود اشرف ما في الكعبة . وأم إسماعيل قبطية سوداء . وعالج الجاحظ ناحية أخرى اجتماعية هي كثرة عدد السودان واتساع بلادهم في إفريقيا وما وراء بلاد الحبشة . ويعزو الجاحظ ذلك إلى قوة خصوبتهم وكثرة تناسلهم . « فالزنجية تلد نحوا من خمسين بطنا في نحو من خمسين عاما ، في كل بطن اثنان فيكون ذلك أكثر من تسعين » . ويلاحظ الجاحظ قلة الاقبال على الزواج من الزنجيات في المجتمع العباسي لأن الزنجية لا تكاد تنشط لغير الزنجي ولأن الأبيض لا ينشط للزنجية . ويعلل الجاحظ هذه الظاهرة بالعادة والتقليد . ولذا نرى أهل البصرة يحبون من النساء الهنديات ، وأهل اليمن يحبون منهن الحبشيات ، وأهل الشام يؤثرون الروميات . فكل قوم يشتهون جلبهم وسبيهم . وثمة سبب آخر لكثرة السودان هو ترامي اصقاعهم . فإذا كان البيضان يسكنون بلاد فارس وخراسان والروم وفرنجة ، فالسودان يملئون بلاد الزنج