الجاحظ
17
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )
وثمة ميزة أخرى للمدينة هي خلوها من الطاعون والجذام وهذا راجع إلى طيب هوائها . والميزة الثالثة التي نقع عليها في المدينة هي شهرتها في الفقه حتى قال عبد الملك بن مروان يمدح روح بن زنباع : « جمع أبو زرعة فقه الحجاز ، ودهاء العراق ، وطاعة أهل الشام » . والبلد الثالث الذي تكلم عليه أبو عثمان هو مصر التي ورد ذكرها في القرآن . . وكان ملكها القديم يدعى فرعونا . وتشتهر مصر بمنف أو قصر فرعون المصنوع من الحجر الصلد . كما تشتهر بمهارة أهلها في السحر . ويشير الجاحظ إلى خراجها الضخم الذي يدل على خصبها والبالغ أربعة آلاف دينار . وبعد مصر تحدث أبو عثمان على الكوفة والبصرة في العراق . وأورد قول زياد الجامع في صفاتهما : « الكوفة جارية جميلة لا مال لها ، فهي تخطب لجمالها ، والبصرة عجوز شوهاء ذات مال فهي تخطب لمالها » . والبصرة خير من الكوفة لأنها أوسع أرضا وأكثر عددا وأدنى إلى البحر وانقى هواء وأخصب تربة وأكثر عمرانا . وماء البصرة عذب صاف عندما يبيت في القلى . والآجر الذي تصنع منه البيوت اصفر ، وبين الآجر يوضع الجص الأبيض فتبدوا المنازل أقرب إلى الفضة بين تضاعيف الذهب . وماء الكوفة أسرع إلى الجفاف . ومعظم الكوفة خراب يباب تشبه قرية من القرى يسمع قربها ضباح الثعالب وأصوات السباع . ونخيل البصرة اكثف وأجمل ولا تجد نخلة في الكوفة الا واعوجت كالمنجل . وأسواق الكوفة تدل على فقر أهلها ، وهم يكرهون أهل البصرة أكثر مما يكرههم هؤلاء . وأهل البصرة أحسن جوارا وأقل بذخا وأقل فخرا » .