الجاحظ

78

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية )

شكر المادح إياه على عطائه وذكر مناقبه والثناء عليه واضمار المودة له . ومن الناحية الفنية ينبغي ان يتوافر في المادح ادبان هما أدب الخلق وأدب الرواية إلى جانب رجاحة العقل الذي يسوسهما . ويبدو ذلك في أصول تجدر مراعاتها وهي الايجاز والابتعاد عن اللحن ، ووضوح المعنى واللفظ ، وعدم اللجوء إلى الزخرفة البيانية ، والقصد إلى المعنى دون لف ودوران ، ودون تصوير الباطل حقا والحق باطلا ، وتجنب الفأفأة وسائر آفات اللسان . بعد وضع هذه الأصول الجمالية للمدح ينتقل الجاحظ إلى غرضه وهو طلب العطاء من أبي الفرج . وهذا العطاء انما يقتضيه من ممدوحه مقابل ما يمحضه من محبة واكبار ، وبسبب المشاكلة في الأدب ، ولأنه في فاقة وابا الفرج في غنى ومجد ، وقد عبر عن ذلك بقوله « وانا أقول بعد هذا كله : لو لم أضمر لكم محبة قديمة ولم أضر بكم بشفيع من المشاكلة ، ولا بسبب الأديب إلى الأديب ، ولم يكن على قبول ، ولا على حلاوة عند المحصول ، ولم أكن الا رجلا من عرض المعارف ، ومن جمهور الاتباع ، لكان في احسانكم الينا ، وانعامكم علينا ، دليل على أنا قد اخلصنا المحبة ، واصطفينا لكم المودة » . ويردف قائلا : « ولا خير في سمين لا يحتمل هزال أخيه ، وصحيح لا يجبر كسر صاحبه » . وينهى أبو عثمان الرسالة بتعداد مزايا أبي الفرج على سنة المداحين ، فلا يترك منقبة الا وينسبها اليه : الأريحية والنجابة والسيادة والقيادة والذكاء والمهابة والجمال وكرم المحتد والأدب . لقد اجتمع له المجد من طرفيه « وهل المجد الا كرم الأرومة والحسب وبعد الهمة ، وكثرة الأدب ، والثبات على العهد إذا زلت الاقدام ، وتوكيد العقد إذا انحلت معاقد الكرام ، والا التواضع عند حدوث النعمة ، واحتمال كل العثرة ، والنفاذ في الكتابة ، والاشراف على الصناعة » .