الجاحظ
46
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية )
كما أنه يعيد الشباب إلى الشيوخ ، وينشط أجسامهم ويوقظ هممهم . والنبيذ يبعث على الظرف والضحك ، ويعفي من الجد والتعب والحشمة ، ويشحذ الذهن . وهو يفعل ذلك في كل وقت ومكان ، في الليل والنهار ، وفي الشتاء والصيف ، وفي المنازل والبساتين . ثم إن النبيذ يحمل النفس على السرور والطرب ، ويدخلها إلى الجود ، ويورثها الغنى ، ويبعدها عن الفقر ، ويملأها عزا وكرامة . وهو جامع الخلان والظرفاء والأدباء ، ومصدر متعتهم . وهو أفضل من سائر الأشربة لأنه كلما زدت منه ازداد طيبة . وإذا اسكرك رفق بك ولم يكن اسكاره تغلبا ، واخذه بالرأس تعسفا ، حتى يميت الحس بحدته ، ويصرع الشارب بسورته . . » ولكنه على عكس ذلك « يغازل العقل ويعارضه ، ويدغدغه ويخادعه ، فيسره ثم يهزه . فإذا امتلأ سرورا وعاد ملكا محبورا ، خاتله السكر وراوغه ، وداراه وماكره ، وهازله وغانجه » . ولا أظن شاعرا من شعراء الخمر استطاع أن يبلغ شأو الجاحظ في وصف تأثير الخمر بالنفس ، وتصوير مراحل السكر . إلى جانب وصف النبيذ ومحاسنه يمدح الجاحظ الحسن بن وهب الذي وجه اليه هذه الرسالة . وقد كان الحسن معاصرا للجاحظ وشاعرا وكاتبا . ويقول في مدحه « وحسبي بصفاتك عوضا من كل حسن ، وخلقا من كل صالح . . » فهو يجمع الجمال الجسمي إلى جودة الرأي وسعة الخلق واللسان الفخم والبلاغة ونبل المحتد . والجاحظ يطلب أخيرا من الحسن بن وهب أن يهديه مقدارا من النبيذ لا يكثر ولا يقل عن الحاجة . وهو لا يسأله إياه لشربه أو يسقيه أو يهديه ، ولكن ليختبر مودة الحسن واكرامه وتقديره .