الجاحظ
36
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية )
يجب ان يتحلى المرء بسعة الصدر لأن سعة الصدر أصل الخير ، وضيقه أصل الشر . وثمة نصيحة أخرى يسديها الجاحظ إلى مؤلف الكتاب وهي عدم الثقة بما « يرسمه في الخلاء ويتوقاه في الملأ » وهذا يعني ان كل رأي يخطر له في خلوته أو أثناء الكتابة ، لا ينبغي أن يتمسك به إذا كان يخشى ان يبديه في جمع من الناس . وإذا لم يراع المؤلف هذه القواعد أو المبادئ اسلم نفسه للأعداء والخصوم وعرضها للنقد والتكذيب . وعدا التسرع في اصدار الاحكام أو ابداء الآراء ثمة مبدأ آخر عرضه الجاحظ هو عدم تعميم الاحكام . فإذا وجد المفكر حالة خاصة أو عددا من الحالات الخاصة ، فلا ينبغي أن يستخرج منها حكما عاما يشمل جميع الحالات الأخرى . هذا المبدأ يطبق في العلم كما يطبق في الاخلاق والاجتماع وقد ساق الجاحظ عدة أدلة على صحة مبدئه هذا . ان الوكلاء في المجتمع يشبهون الاجراء والأوصياء والامناء . ولا يمكنك ان « تقضي على الجميع باساءة البعض ، ولو بهرجنا جميع الوكلاء وخونا جميع الامناء ، واتهمنا جميع الأوصياء واسقطناهم ومنعنا الناس الارتفاق بهم ، لظهرت الخلة وشاعت المعجزة ، وبطلت العقد ، وفسدت المستغلات ، واضطربت التجارات . . » . وعلى الصعيد الخلقي لا يوجد خير محض ولا شر محض . والأشياء جميعا تنطوي على بعض الخير وبعض الشر ، مع نسب متفاوتة منهما . وهذا الرأي سيردده ابن سينا في كلامه على العناية الإلهية ووجود الخير والشر في العالم .