ميرزا حسين النوري الطبرسي
292
دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام
الموضع الرابع في الأفعال القلبية المختصة بحال المنام وهي عديدة : الأول في الغايات التي ينبغي أن يقصدها الانسان عند نومه وتكون هي الدواعي له اليه . اعلم اخلص اللّه تعالى عملك عن مشاركة الشيطان ، وجعلك من عباده الذين ليس له عليهم سلطان ؛ ان أول ما ينبغي أن يفعله المؤمن المجاهد السالك إلى ربه تعالى أن ينظر إلى كل فعل من أفعاله التي يريد ان يفعله قبل فعله ، فيستكشف حكمه المقرر له من الجهة التي قصدها به من الوجوب والحرمة وأخواتها ، امّا تقليدا ممن أشرنا إليهم في الموضع الأول ؛ واجتهادا ، فان هذا أدنى درجة العبودية الظاهرة وأول القيام بوظائفه المقررة من مولاه جل جلاله ، وفي وصية أمير المؤمنين ( ع ) لكميل : يا كميل ما من حركة الا وأنت تحتاج فيها إلى معرفة ، وقال الصادق ( ع ) لعنوان البصري : ان كنت تريد العلم فاطلب أولا في نفسك حقيقة العبودية ، إلى أن قال عنوان : وما حقيقة العبودية ؟ قال ( ع ) لعنوان ثلاثة أشياء : ان لا يرى العبد فيما خوّله اللّه تعالى ملكا لأن العبيد لا يكون لهم ملك ، يرون المال مال اللّه حيث أمرهم اللّه به ، ولا يدبّر العبد لنفسه تدبيرا ، وجملة اشتغاله فيما امره تعالى به ونهاه عنه ، فإذا لم ير العبد لنفسه فيما خوّله اللّه تعالى ملكا هان عليه الإنفاق فيما أمره اللّه تعالى ان ينفق فيه ، وإذا فوض العبد تدبير نفسه على مدبره هان عليه مصائب الدنيا ؛ وإذا اشتغل العبد بما أمره اللّه تعالى ونهاه لا يتفرغ منهما إلى المراء والمباهات مع الناس ، فإذا أكرم اللّه العبد بهذه الثلاثة هان عليه الدنيا وإبليس والخلق ، ولا يطلب الدنيا تكاثرا وتفاخرا ، ولا يطلب ما عند الناس عزا وعلوا ؛ ولا يدع أيامه باطلا . فهذا أول درجة التقى ، قال اللّه تعالى : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ « 1 » الخبر .
--> ( 1 ) القصص : 83 .