أبو عبد الله محمد بن علي القلعي

42

تهذيب الرياسة وترتيب السياسة

شيء من أمور معاشه « 1 » ، فهم يكفلونها على أن يقوم بتعليمهم أمور دينهم وفرائض ربهم . فلم يقبل أول الأمر وعاوده الحنين إلى بلده ومسقط رأسه وظن أنّ ذلك منهم على سبيل المجاملة ، وقال لم أخرج من بلدي على هذه النية . ولكنّ القاضي ومن معه من أعيان مرباط وتجارها وسراتها لم يقطعوا الأمل منه ، فذهبوا إلى سلطان مرباط وكان يومئذ أبو عبد الله محمد بن أحمد الأكحل المنجوي من قوم يقال لهم المنجويون من بيت يقال لهم آل بلخ بضم الموحدة واللام وسكون الخاء ونسبهم من مذجح ، وكان هذا السلطان أوحد عصره كرما وحلما وتواضعا ذكر المؤرخون له من الكرم والحلم والتواضع مآثر تسير بها الركبان ويتناقلها الرواة « 2 » جاؤوا فأخبروه خبر الفقيه ووصوله إلى بلدهم وما كان من أمرهم معه وشكوا إليه شدة حاجتهم إلى علمه وفضله وفقهه وأنهم في أمسّ الحاجة إلى مثله وأثنوا عليه لشدة اعجابهم به وطلبوا منا أن يخرج إليه بنفسه ويلازمه لعلّه يقبل البقاء عندهم فما كان من السلطان إلا أن استجاب لهم وشعر بشعورهم وخفّ سريعا في موكبه إلى خيمة الإمام على الساحل ورجاه ، ورغبه في الإقامة في بلدهم وألحّ في ذلك وأكثر على الإمام وشرط على نفسه للإمام القلعيّ ما أحبّ ولا يدعه يحتاج إلى شيء من أمور المعاش . وأمام هذا الإلحاح الشديد والرغبة الصادقة الأكيدة في العلم وأهله من سلطان مرباط وأهلها وأعيانها لم يجد الإمام بدا من أن يجيبهم إلى طلبهم وأن ينزل على رغبتهم وأن يضحّي في سبيل دينه فيعيش بعيدا عن مسقط رأسه وبلده حسبة للّه وابتغاء للأجر عنده ونشرا للعلم . وهكذا همّ العلماء يؤثرون طاعة الله عز وجل على عاجل أمر الدنيا

--> ( 1 ) السلوك في طبقات العلماء والملوك ، ج 2 ص 210 - 211 . ( 2 ) انظر : ترجمة السلطان محمد بن أحمد الأكحل في السلوك ، ج 2 ص 212 ، تاريخ ثغر عدن ، ج 2 ص 194 .