ابن سيده
216
المحكم والمحيط الأعظم
قولِهمِ : ضَرَبْتُ زيداً وعَمْراً لَقِيتُه ، فكأنه قال : ولَقِيتُ عَمْراً لتَتَجَانَسَ الجُمْلتانِ في التركيبِ ، فلولا أن البَيْتَيْن جميعاً عند العربِ يَجْريان مَجْرَى الجُملة الواحدة لما اختارتِ العربُ والنحويُون جميعاً نَصْبَ الذِّئْب ، ولكن دَلَّ على اتِّصال أحدِ البَيْتيْن بصاحِبه وكَوْنهما معاً كالجُملةِ المَعْطوفِ بعضها على بعضٍ ، وحُكْمُ المَعْطوفِ والمعطوفِ عليه أن يَجْرِيا مَجْرَى العُقْدةِ الواحدة ، هذا وَجْهُ القِياسِ في حُسْنِ التَّضْمين ، إلا أنَّ بإزائه شيئاً آخَرَ يَقْبُحُ التَّضْمِينُ لأَجْلِه وهو أنَّ أبا الحَسَنِ وغيرَه قد قالوا : إنّ كُلَّ بيتٍ من القصيدةِ شِعْرٌ قائمٌ بنَفْسِه ، فمن هنا قَبُحَ التَّضْمِينُ شيئاً ، ومن حيثُ ذكَرْنا من اخْتِيار النَّصْبِ في بيتِ الرَّبيعِ حَسُنَ ، وإذا كانت الحالُ على هذا فكُلَّما ازْدادتْ حاجةُ البَيْتِ الأَوَّل إلى البيتِ الثاني واتَّصَلَ به اتِّصالًا شديداً كان أَقْبَحَ ممّا لم يَحْتَجِ الأَوَّلُ فيه إلى الثاني هذه الحاجَة ، قال : فَمِنْ أشَدِّ التَّضْمِين قولُ الشاعرِ رَوَيْناه عن قُطْرُب وغيرِه : وَلَيْسَ المالُ فاعْلَمْهُ بِمالٍ * من الأقوامِ إلا للذِىِّ يُرِيدُ به العَلَاءَ ويَمْتَهِنْهُ * لأَقْربِ أَقْرَبِيه ولِلْقَصِىِّ « 1 » فَضَمَّنَ بالمَوْصولِ والصِّلَةِ على شِدّةِ اتِّصالِ كلِّ واحدٍ منهما بصاحبِه . وقال النابغةُ : وهُمْ وَرَدُوا الجِفَارَ عَلَى تَميمٍ * وهم أَصحابُ يَوْمِ عُكَاظَ إنِّى شَهِدْتُ لهم مَواطِنَ صادِقاتٍ * أَتَيْتُهمُ بِوُدِّ الصَّدْرِ مِنِّى « 2 » وهذا دُونَ الأَوَّل ، لأنه دُونَ المُخْبَرِ عنه بخَبَرِه في شِدّةِ اتِّصالِ المَوْصولِ بصِلَتِه ، ومثلُه قولُ القُلاخِ لِسَوَّارِ بْنِ حَيَّانَ المنْقَرِىِّ : ومِثْلَ سَوّارٍ ردَدْنَاه إلى * إدْرَوْنِه ولُؤْمِ إصِّهِ عَلَى الرَّغْمِ مَوْطُوءَ الحِمَى مُذَلَّلا « 3 » * والمُضَمَّنُ من الأَصْواتِ : ما لا يُسْتطاعُ الوُقوفُ عليه حتى يُوصَلَ بآخَرَ . * والضَّمانُ : الزَّمانَة والعاهةُ ، قال الشاعرُ :
--> ( 1 ) البيتان بلا نسبة في لسان العرب ( ضمن ) ، ( لذا ) ؛ وتاج العروس ( ضمن ) ، ( لذي ) . ( 2 ) البيتان للنابغة في ديوانه ص 127 ؛ 128 ؛ وفي لسان العرب ( ضمن ) ؛ والثاني منهما للنابغة في تاج العروس ( ضمن ) . ( 3 ) الرجز للقلاخ في لسان العرب ( أصص ) ، ( درن ) ، ( ضمن ) ؛ وتهذيب اللغة ( 14 / 93 ) .