ابن سيده
48
المحكم والمحيط الأعظم
الصناعة ، والتعاقب ، والمحتَسَب ، إلى أشياء اقتضبتها من الأشعار الفصيحة ، والخطب الغريبة الصحيحة . هذا جميع ما اشتمل عليه كتابنا « المُحْكَم » ، وهو في هذه الصناعة « المحيطُ الأعظم » قد دَبَّجْتُ فِتانه « 1 » ، وأدْمَجْت مِتانَه ، وشَكَّلت آسانَه « 2 » ، ووكَّلْت بالإعراب عنه لِسانه ، وأبرزتُه للدَّهر مفتخرا ، وبذلت فيه من مكنون علمي ما كُنْتُ له مُدّخِرا ، حِذارا أن يَطْوِينى ضَرِيحى ، وتَتَلَمَّأ « 3 » علىَّ تُرْبتى وصَفيحى ، فرأيتُ تركه شِياعا ، خيرا من أن يذهب في صدْرِى ضَياعا ، ثم أهديته إلى ذوى الألباب ، مُونِقا لمُقَلِهم ، ومُطْلِقا لعُقَلِهم ، مُنْشِرا لما دَثَر مِن أفهامهم ، وباعثا لما همدَ من نار أوهامهم ، يَرِدُون مُتون أصْواحِه « 4 » عَذْبةَ الجِمام « 5 » ، ويستظلون غُصون أدْواحه مُطْرِبة الحَمام ، يتعلَّلون منه بخمر وريق ، ويَسْرَحون من مُلَحه في بُسْتان زاهر وَرِيق ، فإن كافئوا بالحمد ، ولم يُجَلِّلوا النِّعمة بُرودَ الجَحْد ، فقد أنصفوا من نفوسهم ، ولم يَكْسِفوا بذلك من أقمارهم ، ولا شموسهم ؛ وإن تكن الأخرى ، فربّ غامط لنعمة اللّه التي هي أسبغُ أذيالا ، وأسوغُ أَغْيالا « 6 » ، وأمدُّ ظِلّا ، وأذكى من سماء كل نعمة وابلا وطَلَّا « 7 » : ومِنِّى استَفادَ النَّاسُ كلَّ غَريبةٍ * فجازُوا بتركِ الذَّمّ إنْ لم يكنْ حمدُ « 8 » ولينظروا نحوى ، فمن أبصر فقلَّما تخفى ذُكاء ، ومن عَشِىَ فعاذر ألا تراني مُقْلة عَمْياء ؛ وللّه قولُ أبى الطَّيِّب : ولقَدْ عَلوْتَ فمَا تُبالى بَعْدَ ما * عَرَفُوا أَيحْمَدُ أمْ يَذُمُّ القائِلُ « 9 » وإنْ أَلْوَى بهمُ الأشَر ، وقد سبقت مِنِّى إليهمُ الفِقَر ، فما علىّ أن تفهم البَقَر ؛ وإن تعسَّف منهم جاهل علينا ، أو تَترَّع « 10 » منهم هَدِمُ الجَفْر « 11 » إلينا قبل أن يَرُوز « 12 » الخِبرَة ،
--> ( 1 ) الفَتْن : الضرب واللون والحال والفن . ( 2 ) آسان الرجل : مذاهبه وأخلاقه ، أي شكلت مذاهبه . ( 3 ) تلمَّأت به الأرض : اشتملت واستوت . ( 4 ) الصواح : النجوة من الأرض ، أي المرتفع منها ، وقبل : الصواح : الرخوة من الأرض . ( 5 ) جَمَّ الشئ واستجم كلاهما : كثر ، وجَمُّ لماء : معظمه إذا ثاب ، وكذلك جمته ، وجمعها جِمام وجُمُوم . ( 6 ) الغَيْل : الماء الجاري على وجه الأرض ، ومكان من الغيضة فيه ماء معين ، وكل موضع فيه ماء من واد ونحوه . ( 7 ) الطل : المطر الصغار القطر الدائم ، وهو أرسخ المطر ندى . ( 8 ) البيت لأبى الطيب المتنبي في ديوانه ( 1 / 253 ) . ( 9 ) البيت لأبى الطيب المتنبي في ديوانه ( 1 / 225 ) . ( 10 ) تترَّع : تسرّع . ( 11 ) يقال للرجل الذي لا عقل له : إنه لمنهدم الحال ومنهدم الجفر . ( 12 ) رازه يروزه رَوْزًا : جرب ما عنده وخبره .