ابن سيده

46

المحكم والمحيط الأعظم

استُغْنِى عن تصغيره بلفظ غيره ، وهو دال على التصغير ، وتحقير الأحايين ، وتوجيه ذلك على أية وجه هو ، من أنه مفارق لطريق التصغير في المعنى . وأما ما أتركه من الإشعار بالتذكير والتأنيث ، فإنما ذلك لأنى قد أفرَدْت له كتابًا لم يوضع في معناه ما يوازيه ، فضلًا عما يساويه . وكذلك الممدود والمقصور . وفي كتابي هذا أشياءُ من الاختصار ، وتقريب التأليف ، وتهذيب التصنيف ، ما لو ذكرته لكان فيه سِفْر جامع ، ولكني بهذا الذي أرَيْتُ منه قانع . وأنت أيُّها النَّدْب الفَهِم ، والشَّهمُ النَّهِم ، إذا توغَّلْت في كتابنا هذا ، بدا لك من أنواع الإجادة ، مثلُ ما ذكرت لك من التمثيل أو ضِعْفُه ، وأىٌّ أقلُّ شِفاءً ، وأكثر عَناءً ، من إتيان أهل اللغة بالفعل الماضي ، ثم اتباعهم له بآتيه ومصدره ، وهما مُطَّردان ، كقولهم : « أفعلَ يُفْعِل إفْعالا » ، و « افتعَلَ يَفْتعِل افْتِعالا » ، و « انفَعَل ينْفَعِل انْفعالا » ، و « افعلَّ يَفْعَلُّ افْعِلالا » ، و « افعالَّ يَفعالُّ افعيلالا » ، و « افعوَّلَ يفْعَوَّل افْعِوَّالا » ، و « استفْعَل يستفعِلُ استِفْعالا » ، و « افعَنْلَى يَفعَنْلِى افعنلاءً » ، ونحو ذلك من الشغَب الذي لا أُحْصى عَدَّه ، ولا أحْصُرُ حَدَّه . وكذلك يفعلون في أسماء الفاعلين منها والمفعولين . وهل أحد قرأ أدنى باب من أبواب الإعراب ، الذي يَلحق ذاتَ الكلمة أو خارجها ، إلا وقد عَلم أنّ آتِىَ أفعلَ إنما هو يُفْعِل ، وأن مصدره الإفعال ، وأن فاعله مُفْعِل ، ومفعولَه مُفْعَل ، وكذلك أخوات أفعلَ التي ذكرنا ، قد عُلم أَوَاتِيها ومصادرُها ، وأسماء فاعليها ومفعوليها . ومن أعجب ما اخْتُصَّ به هذا الكتاب : تخليص الياء من الواو ، وتعيين ما انقلبت عنه الألف المنقلبة ، من ياء أو واو ؛ وتحييز « 1 » الزائد من الأصل ، بتخليص الثلاثىّ والرباعىّ والخُماسىّ ؛ وهذا فصل لا يصل إليه إلا من قَتَل التَّصاريف عِلْما ، وأحاط بعلل ما يجعله زائدًا من حروف الزوائد حُكْما ، فإن المتأمِّل إذا تأمَّل في كتابي مَأْجَجا ويأَجَجا ، وَيأْجُوجَ وَمأْجُوجَ ، ورأى موضع كل واحد من هذه ، لم يفرِق بين أحكامها إلا أن يكون مُقِيتا على علم التصاريف . وليست الإحاطة بعلم كتابنا هذا ، إلا لمن مَهَر بصناعة الإعراب ، وتقدّم في علم العَروض والقوافي ، فإنه إذا رأى يَبْرِينَ في باب « ب ر ى » لم يعلم لأىّ معنى جُعِل بسيط الكلمة هذه الحروف الثلاثة ، إلا بعدَ علم بالعربية أصيلٍ ، وباعٍ في أثنائها عَريض طويلٍ . وكذلك إذا رأى قولي : نُبايِعُ : موضع ، وهو نُفاعِل من المُبايعة ، سُمِّيت به البُقْعة بعد

--> ( 1 ) في بعض النسخ : تمييز .