ابن سيده

38

المحكم والمحيط الأعظم

سَطْر من كتابي يغترف من كتب اللغة في الخطّ سُطورا ، فإذا حُصِّل جوهر الكلام ، عادت أبوابهم لأبوابى شُطورا ، كقول أبى عُبيد : سمعت الشَّيبانى يقول : الأُنوف : يقال لها المَخاطِم ، واحدها : مَخْطِم . وقلت أنا في تعبيره : المَخْطِمُ : الأنف . وغَنِيت عما سِوَى ذلك ، لأنه إذا كانت الكلمة مَفْعِلا ، فجمعها مَفاعِل ، ولا يَلْزم إذا كان لفظ الجمع مَفاعل ، أن يكون الواحد مَفْعِلا ، بل قد يكون مَفْعِلا ، ومَفْعَلا ، ومُفْعِلا في بعض المواضع ، ومَفْعِلة ، ومَفْعَلة ، ومَفْعُلة . وكقوله : الذآنينُ : نبت ، والطَّراثيث : نبت ، الواحد : ذُؤْنون ، وطُرْثُوث ؛ ويقال : خرج الناس يَتَذَأْنَنُون ويَتَطَرْثَثُون : إذا خرجوا يطلبون ذلك . فغَنِيت أنا عن هذه العبارة الكثيرة العناء ، اليسيرة الغَناء ، بأن قلت في الذال : الذُّؤْنون : نبْت ، وفي الطاء : الطُّرثوث : نبت ؛ لأن الشئ إذا كان فُعْلولا ، فجمعه لا محالة فَعاليل ، وإذا كان الجمع فعاليل ، لم يلزم أن يكون الواحد فُعْلولا وحْدَه ، بل قد يكون فِعْلالا ، وفِعْليلا ، وفِعْلالة ، وفِعْلِيلة . وكذلك اكتفيت من قوله : خرج الناس يتذأْنَنون ويتطَرْثَثون : إذا خرجوا يطلبون ذلك ، بأن قلت : تذأْنَنُوا وتطَرثَثُوا : طلبوا ذلك . وأقبح ما في هذه العبارة تقديمه الجميع على الواحد ، وهذا في كتابه وكُتب غيره من أهل اللغة كثير شائع ، مستطير ذائع . وهل أغربُ من تقديم المركَّبات على البسائط ؟ وناظرٌ إلى هذا تقديمُهم أبنية أكثر العدد ، على أبنية أقله ، إذا كان الواحد يَعْتقِب عليه بناء أقلّ العَدَد ، وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة ، وهو الذي يدعوه القدماء الآحاد ؛ وبناءُ أكثرِ العدد ، وهو ما زاد على ذلك ، حتى إذا كان للواحد بناءٌ واحد من أدنى العدد ، أو بناء واحد من أكثره ، لم ينبِّهوا على أنه لا بناءَ جمع له إلا ذلك ؛ وللّه درّ حُذَّاق النحويِّين ، سيبويهِ فمن دُونه ، في التحرّز من ذلك ، وأينَ أجسمُ فائدة في هذه الجموع من قول سيبويه في الشئ الذي ينفرد ببناء واحد من الجمع ، إنه لا يكسَّر على غير ذلك ، كالأفئدة ، والأكُفّ ، والأقدام ، والأرجل ، وغير ذلك ، مما لا أستطيع وَقْفَك على جميعه ، إلا بقراءة كتاب سيبويه ، الذي هو نُور الآداب ، ومادة أنواع الإعراب . فإن رأيت قضية من كتابي قد ساوت قضية من كتب أهل اللغة في اللفظ ، أو قاربتها ، فاقُرن القضية بالقضيَّة ، يلُح لك ما بينهما من المَزِيَّة ، إما بفائدة يَجِلُّ موضِعُها ، وإما بصورة عبارة يَلَذّ موقِعُها ، كقول أبى عُبيد : تَمَأَّى الجلدُ تمَئِّيا ، مثال : تَمَعَّى تمَعِّيا ، تفَعَّل تفعُّلا : إذا اتسع . وصلى اللّه على نبينا محمد القائل : إن من البيان لسحرا « 1 » . وأين هذا من قولي بَدَل

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( ح 5767 ) .