عبد الملك الثعالبي النيسابوري

34

فقه اللغة

قدرته - لَمْحَةً من هدايته ، وأمَدَّهُ بشْعْبَةٍ « 1 » من عنايته ، فقال لي ، صَدَّقَ اللَّه قوله ، ولا أعدم الدنيا طَوْلَهُ « 2 » ، كما أذاقَ العِدَا بَأْسَهُ وَصَوْلَهُ : إنَّك إنْ أَخَذْتَ فيه أَجَدْتَ وَأَحْسَنْتَ ، وليسُ له إلَّا أَنْتَ . فقلت له : سَمْعا سَمْعاً ، ولم أسْتجِزْ لأمرهِ دَفْعاً ، بل تلقيتُّهُ باليَدَيْن ، وَوَضَعْتُهُ على الرَّأْسِ والعَيْن - وعاد - أدام اللَّه تمكينَهُ - إلى البلدة عَوْدَ الحَلْي إلى العَاطِلِ ، والغَيْثِ إلى الرَّوْضِ المَاحِل . فأقام لي في التأليف معالِمَ أقفُ عندها ، وأَقْفُو حَدَّها ، وأَهاب بي إلى ما اتَّخَذْته قِبْلَةً أُصَلِّي إليها ، وقاعِدةً أبني عليها ، من التمثيل والتنزيل ، والتَّفصيل والترتيب ، والتَّقْسيم والتقريب وكنت إذا ذاك مُقِيمَ الجسم ، شاخِصَ العَزْمِ ، فاستأذَنْتُهُ في الخروج إلى ضيعةٍ لي متناهية الاختلال ، بعيدةِ المَزَارِ فأجمع فيها بين الخلوة للتأليف « 3 » ، وبين الاستعمار . فأَذِنَ لي أدام اللَّه غِبْطَتَهُ - على كُرْهٍ مِنْهُ لِفُرْقَتي ، وأَمَرَ - أعلى اللَّه أمرَهُ - بتزويدي من ثمار خزائن كُتُبهِ ، عمَّرها اللَّه بطول عمره ، ما أستظهر به على ما أنا بصدَدِه . فكانَ الدليلَ يعينُ على السَّفَرِ بالزاد « 4 » ، والطبيبَ يُتْحفُ المريضَ بالدَّواء والغذاء . وحين مضيتُ لِطِيَّتي ، وألْمَمْتُ بمقصدي ، وَجَدْتُ بركةَ حُسْنِ رأيه ، ويُمْنَ اعتزائي إلى خدمته ، قد سَبَقاني إليه وانتظراني به ، وحَصَّلْتُ مع البُعْدِ عن حَضْرَتِهِ ، في مُطَّرَحٍ من شُعَاعِ سعادته ، يُبَشِّرُ بالصُّنْعِ الجميل ، ويُؤذِنُ بالنُّجحِ القريب . وتُرِكْتُ والأدبَ والكُتَبَ ، أنْتَقي منها وأنتخِبُ وأفَصِّلُ وأُبَوِّبُ ، وأُقَسِّمُ وأُرَتِّبُ ، وأَنْتَجِعُ من الأئمة ، كالخليل « 5 » والأصمعي ، وأبي عمرو الشيباني ، والكسائي ، والفراء ، وأبي زيد وأبي عبيدة ، وأبي عبيد ، وابن الأعرابي ، والنضر بن شميل وأَبَوَي العباس ، وابن دريد ، ونفطويه ، وابن خالويه والخارزنجي ، والأزهري ، ومن سواهم من ظرفاء الأدباء الذين جمعوا فصاحة العرب « 6 » البلغاء ، إلى اتقان العلماء ، ووعُورَةِ اللغة ، إلى سُهُولَةِ البلاغة ،

--> ( 1 ) بإزائه في ( ح ) : « الشعبة : الطائفة » . ( 2 ) في ( ط ) : « جماله وطوله » . ( 3 ) في ( ط ) : « بالتأليف » . ( 4 ) في ( ط ) : « فكأن كالدليل يعين ذا السَّفَرِ بالزَّاد » . ( 5 ) في ( ط ) : مثل الخليل . ( 6 ) كلمة ( العرب ) : ليست في ( ط ) .