عبد الملك الثعالبي النيسابوري
32
فقه اللغة
وعلى ذلك فقد صَدِيَ فَهْمِي مع بُعْدٍ كان عن حَضْرَتِهِ ، وتكدَّرَ مَاءُ خَاطِري ، لتطَاوُلِ العَهْدِ بخدمته ، وتكسَّر في صَدْرِي ما عَجَزَ عن الإِفصاحِ به لِساني ، فكأن أبا القاسم الزعفراني « 1 » ، أحد شعراء العصر الذين أوردت ملحهم في كتاب « يتيمة الدهر » قد عبَّر عن قلبي بقوله « 2 » : لِيْ لِسَانٌ كَأَنَّهُ لِي مُعَادِي * لَيْس يُنْبِي عَنْ كُنْهِ مَا فِي فُؤَادِي حَكَمَ اللَّهُ لِيْ عَلَيْهِ فَلَوْ أُنْ * صِفَ قَلْبِي عَرَفْتُ قَدْرَ وِدَادِي فإلى من جَمَّلَ الزَّمَانَ بمجدِهِ ، وشَرَّفَ أَهْلَ الآدَابِ بِمُنَاسَبِةِ طَبْعِهِ ، ونظرَ لِذَوِي الفَضْلِ بامتداد ظِلِّهِ ، ودَاوَى أَحْوَالَهُم بِطِبِّ كَرَمِهِ ، أَرْغَبُ في أن يَجْعَلَ أيامَهُ المسعودَة أَعْظم الأَيَّامِ السَّالِفِةِ يُمْناً عليه ، ودُونَ الأَيَّامِ المُسْتَقْبَلَةِ فِيما يُحِبُّ ويُحِبُّ أَوْلياؤُهُ لَهُ وأَنْ يُديمَ إمْتَاعَهُ بظلِّ النَّعْمةِ ، ولِبَاسِ العَافِيَةِ ، وفِرَاشِ السَّلَامَةِ ومَرْكِبِ الغِبْطَةِ ، ويُطِيلَ بَقَاءَهُ مَصُوناً في نفسَه وأَعِزَّتِهِ ، متمكّناً مما يقتضيه عَالي هِمَّته ، وأَنْ يَجْمَعَ له المَدّ في العُمرِ إلى النَّفَاذِ في الأَمْرِ ، والفَوْزَ بالمَثُوبَةِ من الخالِق ، والشُّكْرَ من المخلوقين ، ويجمعَ آمالَهُ من الدنيا والدين . وأعودُ - أدامَ اللَّهُ تَأْيِيدَ الأمير السَّيّد الأَوْحَد - لما افْتَتَحْتُ له رسالتي هذه ، فأقولُ : إنّي ما عدلت بمؤلفاتي « 3 » إلى هذه الغاية ، عن اسْمِهِ وَرَسْمِهِ ، إخلالًا بما يَلْزَمُني مِنْ حَقِّ سُؤْدُدِهِ ، بل إجلالًا له عما لا أَرْضَاهُ للمُرورُ بِسَمْعِهِ ولَحْظِهِ ، وتَحَامِياً لِعَرْضِ « 4 » بِضَاعَتِي المُزْجَاةِ على قُوَّةِ نَقْدِهِ ، وذَهَاباً بنفسي عن أنْ أُهْدِيَ للشَّمْسِ ضَوْءاً ، أَوْ أَنْ أَزِيدَ في القمرِ نُوراً ، أَوْ أَنْ أكون « 5 » كجالبِ المسكِ إلى أرض التُّرْكِ « 6 » ، والعُودِ إلى بلاد الهِنْد « 7 » ، والعَنْبَرِ إلى البحر الأَخْضَرِ « 8 » .
--> ( 1 ) أبو القاسم الزعفراني ، من أهل العراق ، شيخُ شعراء العصر وبقية من تقدَّمُوه ، حَسَنُ الشِّعْر ، ولكلامه رَوْنَقٌ ونفاسَةٌ وأكثر شعره في الوصف والمديح ، ينظر فيه : اليتيمة 3 / 346 والمنتحل 139 . ( 2 ) في لباب الآداب 2 / 119 . ورواية البيت الثاني : حكمَ اللَّهُ لي عَلَيْه فلو عَبَّرَ * عَنّي عَرفتُ قَدْرَ وَدَادِي وبنصهما السابق في اليتيمة 3 / 356 . ( 3 ) في ( ط ) : « بمؤلفاتي هذه » . ( 4 ) في ( ط ) : ( بعرض ) . ( 5 ) في ( ط ) : « فأكون » . ( 6 ) في ( ط ) : « أو » . ( 7 ) في ( ط ) : « الهنود » . ( 8 ) يعني بذلك المحيط الهندي ، وهو معروف بوجود حيوان العنبر فيه .