أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري
166
تهذيب اللغة
وأما حديثُ ابن أبي أوْفَى أنه قال : أعطاني أبي صدقة ماله فأتيتُ بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « اللّهم صلّ على آل أبي أوْفَى » فإنّ هذه الصلاةَ عندي الرحمةُ ، ومنه قولُه جلَّ وعزَّ : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [ الأحزاب : 56 ] ، فالصلاة من الملائكة دعاءٌ واستغفار ، ومن اللّه سبحانه رحمة . ومن الصلاة بمعنى الاستغفار حديثُ الزُّهْريِّ عن محمد بن عبد الرحمن بن نَوفَل عن سَوْدة أنها قالت : يا رَسول اللّه إذا مُتْنا صلَّى لنا عُثمان بنُ مَظْعون حتى تأتيَنا ، فقال لها : « إن الموت أشدُّ مما تقدِّرين » . قال شمر : قولها : « صَلى لنا » ، أي : استغْفَرَ لنا عند رَبّه ، وكان عثمانُ ماتَ حينَ قالت سَوْدَةُ ذلك . وأمَّا قولُ اللّه جلَّ وعزَّ : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [ البقرة : 157 ] ، فمعنى الصلوات ههنا : الثناء عليهم من اللّه ، وقال الشاعر : صلَّى على يَحيَى وأشياعِه * رَبٌّ كريمٌ وشفيعٌ مُطاعْ معناه : ترحّم اللّه عليه على الدّعاء لا على الخبر . ثعلب عن ابن الأعرابي قال : الصلاة من اللّه رحمة ، ومن المخلوقين - الملائِكة والإنس والجنِّ - القِيامُ والركوعُ والسجودُ والدعاءُ والتسبيحُ . والصلاةُ من الطّير والهَوام التسبيح . قال أبو العباس في قوله : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ [ الأحزاب : 43 ] ، فيصلّي يَرحَم ، وملائكتُه تدعو للمسلمين والمسلمات . قال : وقولُ الأعشى : * وصَلّى على دَنِّها وارتَسَمْ * قال : دعا لها ألا تَحمَض ولا تَفسُد . وقال الزجاج : الأصلُ في الصلاة اللّزوم ، يقال : قد صلِيَ واصطَلَى : إذا لزم ، ومن هذا : من يُصْلَى في النَّار ، أي : يُلزَم النارَ . وقال أهلُ اللغة في الصلاة : إنها من الصلَوَيْن ، وهما مُكتَنِفا الذَّنَب من الناقة وغيرها ، وأوّلُ مَوْصِلِ الفَخِذين من الإنسان فكأنَّهما في الحقيقة مكتنفا العُصْعُص . قال : والقولُ عندي هو الأول ، إنما الصلاة لُزوم ما فَرَض اللّه ، والصلاةُ من أعظَم الفَرْض الذي أُمِرَ بلزومه . وأما المُصلِّي الذي يَلي السابقَ فهو مأخوذٌ من الصلَوَيْن لا مَحالَة ، وهما مكتَنِفا ذَنب الفرس ، فكأنه يأتي ورأسُه مع ذلك المكان . و في حديثٍ آخر : « إنّ للشيطان مَصالِيَ وفُخُوخاً » ، والمصالِي شبيهةٌ بالشَّرَك