أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري

40

تهذيب اللغة

ما قدّره اللَّه عليه من التضييق ، كأنه قال : ظنّ أن لن نضيّق عليه ، وكلّ ذلك شائع في اللغة ، واللَّه أعلم بما أراد ، فأما أن يكون قوله : أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ في القدرة فلا يجوز ، لأنَّ مَن ظنّ هذا كَفَر ، والظنّ شكّ ، والشكّ في قدرة اللَّه كفرٌ . وقد عصم اللَّه أنبياءه عن مثل ما ذهب إليه هذا المتأوّل . ولا يتأول مثله إلا الجاهلُ بكلام العرب ولغاتها . والقَدِير والقادر من صفات اللَّه جل وعز ، يكونان في القُدرة ، ويكونان من التقدير . وقوله جل وعزّ : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * [ البقرة : 20 ] في القدرة لا غير ، كقوله : عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [ الكهف : 45 ] ، واللَّه مقدِّر ما هو كائن وقاضيه . و في الحديث : « إنّ اللَّه قَدَّر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرَضينَ بخمسين ألف عام » . وقال الليث : القدرة : مصدرُ قَدَرَ على الشيء قُدرة ، أي : مَلَكه فهو قادرٌ قدير . واقتَدَر الشيءَ : جَعَلَه قَدْراً ، وكلُّ شيء مقتَدِر فهو الوَسَط ، تقول : رجل مقْتَدِر الطول ليس بجد طويل . وقوله جل وعزّ : عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [ القمر : 55 ] ، أي : قادر . قال : والقَدْرُ من الرحال والسُّروج ونحوها الوَسَطَ ، تقول : هذا سَرْج قَدْر وقَدَرٌ مخفّف ويثقل . و قال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم : « صوموا لرُؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمّ عليكم فاقدرُوا له » . و في حديث آخر : « فإنْ غُمَّ عليكم فأكملوا العدّة » . وقوله : فاقدروا له ، أي قَدِّروا عددَ الشَّهر وأكْملوه ثلاثين يوماً ، واللفظان وإن اختَلَفَا يرجعان إلى معنًى واحد . ورُوي عن أبي العباس بن سُرَيج أنه قال في تفسير قوله : « فاقدرُوا له » أي : قدّروا له مَنازلَ القمر ، فإنّها تُبيِّن لكم أنّ الشهر تسع وعشرون أو ثلاثون . قال : وهذا خطابٌ لمن تخصّص بهذا العِلم من أهل الحساب . قال : وقوله : « فأكملوا العِدّة » هو خطابٌ لعوامِّ الناس الذين لا يُحسنون تقدير منازلَ القمر . قال : وهذا نظير المسألة المشكِلةَ تنزل بالعالِم الذي أعطيَ آلةَ الاجتهاد ، فلهم تقليدُ أهل العلم . والقول الأول عندي أصح وأوضح ، وأرجو أن يكون قول أبي العباس غير خطأ . واللَّه أعلم . وقال الليث : القِدْر معروفة وهي مؤنثة وتصغيرها قُديْر بلا هاء . قلت : القِدْر مؤنّثة عند جميع العرب بلا هاء ، وإذا حُقِّرتْ قيل لها : قُدَيرة وقديرٌ