أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري
38
تهذيب اللغة
يتبينون أنَّ القَدَر لأنفسهم ، ولذلك سُمُّوا قَدَريَّة . وقولُ أهل السّنّة : أنّ علم اللَّه قد سَبقّ في البَشر وغيرِهم ، فعلِمَ كُفرَ من كَفَر منهم ، كما عَلم إيمانَ مَن آمن ، فأثبتَ عِلمَه السابق في الْخَلق وكتَبَه ، وكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِق له وكُتِب عليه . وقال الليث : المِقدار اسم القَدَرِ ، إذا بلغ العبدُ المقدارَ مات ، وأنشد : لو كان خَلفَك أو أمامَكَ هائباً * بَشَراً سِواكَ لَهابكَ المِقدارُ يعني الموت . ويقال : إنَّما الأشياء مقَاديرُ ، لكلِّ شيءٍ مقدارٌ وأجل . والمقدار : هو الهِنْداز . تقول : يَنْزل المطر بمقدارٍ ، أي : بقَدَر وقَدْر ، وهو مبلغ الشيء . وقال الفراء في قول اللَّه جل وعزّ : عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [ البقرة : 236 ] ، وقرئ قَدَرُهُ وقَدْرُه بالرفع ، ولو نصبَ كان صواباً على تكرير الفعل في النيّة ، أي : ليُعْط الموسعُ قَدَرَه والمُقْتِرُ قَدَرَه . وقال الأخفش : عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ ، أي : طاقته . وأخبرني المنذريّ عن أبي العباس في قوله : ( عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ) و ( قَدْرُه ) . قال : الثقيل أعلى اللغتين وأكثر ، ولذلك اختير . قال : واختار الأخفش التسكين ، وإنّما اخترنا التثقيل لأنّه اسم . وقال الكسائيّ : يقرأ بالتخفيف والتثقيل ، وكلٌّ صواب ، قال : قَدَر يَقدِر مقدِرة ومَقدَرةً ومَقدُرة وقَدَراناً وقِداراً وقُدرةً ، كلُّ هذا سمعناه من العرب . قال : ويَقْدُر لغة أخرى لقوم يضمّون الدال فيها . فأمَّا قدرتُ الشيءَ فأنا أقدِره خفيف فلم أسمعه إلّا مكسوراً . قال : وقوله : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ * [ الحج 74 ] خفيف ، ولو ثُقِّل كان صواباً ، وقوله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ( 49 ) [ القمر : 49 ] مثقَل ، وقوله : فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [ الرعد : 17 ] مثقَّل ولو خفّف كان صواباً ، وأنشد : وما صَبَّ رِجْلي في حديدِ مُجاشِعٍ * مع القَدْر إلّا حاجةٌ لي أُريدُها وقال الليث في قوله : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ * ، أي : ما وصفوه حقَّ وصفه . وقال الزجاج : جاء في التفسير : ما عظموه حقَّ عظمته . قال : والقَدْر والقَدَر هاهنا بمعنًى واحد . وقال الفراء في قول اللَّه جل وعزّ : وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [ الأنبياء : 87 ] . قال : المعنى : فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ من