أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري

21

تهذيب اللغة

عبدِ اللَّه - كذلك - : ( أنْ يُغَلَّ ) ، يُريدون : أنْ يُسَرَّقَ . وَقال أبو العَبّاس : جَعَلَ : يُغَلُّ ، بِمَعْنى : يُغَلَّلُ . وكلامُ العَرَبِ عَلَى غَيْرِ ذلكَ في : ( فَعَّلْتُ وأفْعَلْتُ ) ، وأفْعَلْتُهُ : أدْخَلْتُ ذاكَ فيهِ ، وفَعَّلْتُ : كَثَّرْتُ ذاكَ فيه . وقال الفَرّاءُ : جائزٌ أنْ يَكُونَ : يُغَلُّ ، مِنْ : أَغْلَلْتَ بمعنى : يُغَلَّلُ ، أي : يُخَوّنُ ، كقولِه - تعالى : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ [ الأنعام : 33 ] و ( لَا يُكذبُونَكَ ) . وقال الزِجّاجُ : قُرئا جميعاً : ( أَنْ يَغُلَّ ، وأن يُغَلَّ ) . فَمَنْ قال : أَنْ يَغُلَّ : فالمَعْنى : ما كانَ بِنَبِيٍّ أن يَخُونَ أمَّتَهُ . وتَفْسِيرُ ذلكَ ؛ أنّ الغَنَائِمَ جَمَعَها النبي صَلَى اللّه عليه وسلم في غَزَاةٍ ، فجاءَهُ جماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ، فَقَالُوا : « ألَا تَقْسِمُ بَيْنَنا غَنَائِمنَا ؟ ؟ » . فقالَ صَلَى اللّه عليه وسلم : « لو أَفَاءَ اللَّه عَلَيَّ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا مَنَعْتُكم دِرْهَماً ، أَ تَرَوْنَني أغُلُّكُمْ مَغْنَمكُمْ ؟ ! » . قالَ : وَمَنْ قَرَأَ : ( أنْ يُغَلَّ ) فهو جائِزٌ عَلَى ضَرْبَينِ : أحدُهُما : ما كانَ لنبيٍّ أن يَغُلَّهُ أصْحَابُه ، أيْ : يَخُونُوهُ ، وجاء عن النبي صَلَى اللّه عليه وسلم : أنه قالَ : « لا أَعْرِفَنَّ أحدَكم يجيءُ - يومَ القِيامَةِ - وَمَعهُ شَاةٌ ، قَدْ غَلَّها ، لها ثُغَاءٌ ، ثم قَالَ : أَدُّوا الخَيْطَ وَالمَخْيَطَ » . والوجهُ الثّانِي : أَنْ يَكُونَ : ( يُغَلَّ ) ، أيْ : يُخَوَّنَ . وأخبرني المُنذِريّ عن الحُسين بنِ فَهْم عن ابنِ سَلّام ، قالَ : كان أبو عمرو بنُ العَلَاء ، ويونُس يَخْتَارَانِ : وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ . قال يُونُسُ : وكيفَ لا يُغَلُّ ؟ بَلَى ، ويُقْتَلُ ! ! . و رُوِيَ عن النبي صَلَى اللّه عليه وسلم أنّه أملى في كتابِ صُلْحِ الحُدَيبيّةِ : « أنْ لا إغْلالَ ولا إسْلالَ » . وقالَ أبُو عُبَيدٍ : قال أبو عمرٍو : الإغْلالُ : الخِيَانَةُ ، والأسْلالُ : السَّرِقَةُ . قالَ : وكانَ أبو عبيدةَ يقُولُ : رَجُلٌ مُغِلٌّ مُسِلٌّ ، أيْ : صاحبُ خِيَانَةٍ وَسَلَّةٍ ، ومنهُ قَوْلُ شُريَح : « ليسَ على المُسْتَعِيرِ غيْرُ المُغِلِّ ضَمَانٌ » ، يَعْني : الخَائِنَ . وقالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلبٍ : جَزَى اللَّه عَنّا حَمْزَةَ أَبْنَةَ نَوْفَلٍ * جَزَاءَ مُغِلٍّ بالأَمَانَةِ كَاذِبِ قال : وأما قولُ النبي صَلَى اللّه عليه وسلم : « ثلاثٌ لا يَغِلُّ عَلَيْهِنّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ » . فإِنَّه رُوي : لا يَغِلُّ ، ولا يُغِلُّ . فَمَنْ قَالَ : لا يَغِلّ - بِفَتْحِ الياء وَكَسْرِ الغَيْنِ - فَإنَّه يَجْعَلُ ذلِكَ مِنَ الغِلِّ ، وهو الضِّغْنُ والشَّحْنَاءُ .