أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري
135
تهذيب اللغة
وفي حديث طَلْحَة أنّ قَبِيصَةَ قال : ما رأيتُ أحداً أعْطَى لجزَيلٍ عن ظَهْر يدٍ من طَلْحَة ابن عبد اللَّه . قيل : قوله عن ظَهْر يدٍ ، معناه ابتداءً من غير مكافأة . وقال الأصمعي : يقال : هاجت ظُهُورُ الأرض ، وذلك ما ارتَفَع منها ، ومعنى هاجت أي يَبِسَ بَقْلها . وقال الفرّاء في قول اللَّه جلّ وعزّ : ( وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ ) [ التّحْريم : 4 ] ، قال : يريدُ أعوانٌ ، فقال : ظَهِيرٌ ، ولم يقل ظُهَراء . ولو قال قائل : إنّ ظهير لجبريل وصالح المؤمنين وللملائكة كان صوابا ، ولكنه حَسُنَ أن تجعَل الظَّهير للملائكة خاصّةً لقوله : ( وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ ) أي بعد نُصْرَةِ هؤلاء ظَهِيرٌ . وقال الزجاج : ( وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ ) في معنى ظُهَرَاء ، أراد والملائكة أيضاً نُصَّارُ النبي صلى اللَّه عليه وسلّم . وقال غيره : ومِثلُ ظَهيرٍ في معنى ظُهَراء قولُ الشاعر : إنَّ العَواذِلَ لَسْنَ لِي بأَميرِ يعني لَسْنَ لي بأُمراء ، وأما قول اللَّه عزّ وجلّ : ( وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً ) [ الفُرقان : 55 ] . قال ابن عرفة : أي مُظاهراً لأعداء اللَّه تعالى ، وقوله جلّ وعزّ : ( وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ ) [ المُمتَحنَة : 9 ] أي عاونوا ، وقوله : ( تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ ) [ البَقَرَة : 85 ] أي يتعاونون ، ( وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ ) [ التّحْريم : 4 ] أي ظُهَرَاء أي أعوان النبي صلى اللَّه عليه وسلّم ، كما قال : ( وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ) [ النساء : 69 ] أي رفقاء . قال الشاعر : إنَّ العَوَاذِل لَسْنَ لي بأمِيرِ أي بأمراء ، ( فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ) [ الكهف : 97 ] أي ما قَدَرُوا أن يَعْلُوا عليه لارتفاعه ، يقال : ظهر على الحائط ، وعلى السَّطْح ، وظهر على الشيء : إذا غَلَبه وعَلَاه ( وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ) [ الزّخرُف : 33 ] أي يعلون ، والمعارج : الدَّرَج ( فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ ) [ الصَّف : 14 ] أي غالبين وقولُ اللَّه جلّ وعزّ : ( وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ ) [ التّحْريم : 4 ] معناه : وإن تعاونا ، يقال : تظاهرَ القومُ على فُلان ، وتظافَروا وتضافَروا إذا تعاوَنوا عليه . وقول اللَّه جلّ وعزّ : ( الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ) [ المجَادلة : 2 ] قرىء ( يَظَّهَّرون ) ، ومن قرأ ( يَظَّاهرون ) فالأصل يتَظاهرون ، والمعنى واحد ، وهو أن يقول لها : أنتِ عليَّ كظهْر أُمِّي ، وكانت العرب تُطَلّق نساءها في الجاهلية بهذه الكلمة ، فلمَّا جاء الإسلام نُهُوا عنها ، وأوجِبَت الكفارة على مَن ظَاهَرَ من امرأته ، وهو الظِّهار ، وأصله مأخوذٌ من الظَّهْر ، وذلك أن يقول لها : أنتِ عليَّ كظهْرِ أمِّي ، وإنما خصُّوا الظَّهْر دون البَطْن والفخِذ والفَرْج ، وهذه أَوْلَى بالتَّحْرِيم ؛ لأنَّ الظَّهر مَوْضِعُ الرُّكُوبِ ، والمرأة مَرْكوبة إذا غُشِيَتْ ، فكأنه إذا قال : أنتِ عليَّ كظهر أمِّي ، أراد رُكُوبُكِ للنِّكاح حرام عليَّ كرُكُوب أمِّي للنِّكاح ، فأقام