أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري

109

تهذيب اللغة

وقال ابن السكيت : هرَد القَصَّارُ الثوب ، وهرَته : إذا خرقه ، وهرَد فلان عِرْضَ فلان ، وهرَته ، فهذا يدل على الإفساد ، والقول عندنا في الحديث : مهرودتين - بالدال ، والذال - : أي بين ممصَّرتين على ما جاء في الحديث ، ولم نسمعه إلا في الحديث كما لم نسمع الصِّيَر الصِّحناة ، وكذلك الثُّفّاءَ الحُرْف ، ونحوه . قال : والدال ، والذال أختان تُبدل إحداهما عن الأخرى : يقال : رجلٌ مِدْلٌ ومِذْلٌ إذا كان قليل الجسم خفيّ الشخص ، وكذلك الدال والذّال في قوله : مهروذتين . أبو عُبيد ، عن الأصمعيّ : الهِرْدَى : نَبْتٌ ، وقاله ابن الأنباريّ ، وهو أنثى . دهر : قال الليث : الدَّهر : الأبَدُ المحدود ، ورجلٌ دُهْرِيٌّ : أي قديم ، ورجلٌ دَهْرِيّ : يقول ببقاء الدهر ، ولا يؤمن بالآخرة . و رُوِي عن النبي صلى اللَّه عليه وسلّم أنّه قال : « لا تَسُبُّوا الدهر فإِن اللَّه هو الدهر » . قال أبو عُبيد : قوله : فإنّ اللَّه هو الدهر مما لا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يجهل وجهَه ، وذلك أنّ المعطِّلة به يحتجّون على المسلمين ، قال : ورأيتُ بعضَ من يُتَّهم بالزَّنْدَقة والدَّهْرِيّة يحتجّ بهذا الحديث ويقول : « ألا تراه يقول : فإنّ اللَّه هو الدَّهْر » ؟ ! فقلتُ : وهل كان أحدٌ يسبُّ اللَّه في آبادِ الدَّهر ؟ ! قد قال الأعشى في الجاهلية : استأثر اللَّه بالوفاء وبالحَمْ * دِ وَوَلّى الملَامَةَ الرَّجُلَا قال : وتأويله عندي أنّ العَرَب كان شأنها أن تَذُمّ الدَّهْرَ وتَسُبَّه عند النوازل تنزل بهم : من مَوْتٍ أو هَرَم فيقولون : أصابتْهم قوارِعُ الدهرِ ، وأبادَهم الدَّهْرُ ، فيجعلون الدَّهر الذي يفعل ذلك ، فيذمّونه ، وقد ذكروا ذلك في أشعارهم ، وأَخبرَ اللَّه عنهم بذلك ، ثم كَذَّبهم ، فقال جلّ وعزّ : ( وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ) [ الجَاثيَة : 24 ] قال اللَّه جلّ وعزّ : ( وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) [ الجَاثيَة : 24 ] . فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلّم : « لا تَسُبُّوا الدّهرَ » على تأويل : لا تَسُبُّوا الدهر الذي يفعل بكم هذه الأشْياء ، فإنكم إذا سببتم فاعلها فإنما يقع السَّبُّ على اللَّه لأنه الفاعل لها لا الدهرُ ، فهذا وجه الحديث إن شاء اللَّه . قلتُ : وقد قال الشافعي في تفسير هذا الحديث نَحْواً مما قال أبو عُبيد ، واحتج بالأبيات التي ذكرها أبو عبيد ، فظننت أبا عبيد عنه أخذ هذا التفسير لأنّه أوّل من فسره . وقال شَمر : الزّمان والدَّهْر واحد ، واحتجّ بقوله : إنّ دَهْراً يَلُفُّ حَبْلي بِجُمْل * لَزَمانٌ يَهُمُّ بالإحسانِ فعارض أبو الهيثم شَمِراً في مقالته ، وخطأه في قوله : الزّمان والدّهر واحد ، وقال : الزمانُ : زَمانُ الرُّطَب ، وزمان الفاكهة ، وزمان الحرّ ، وزمانُ البرد ،