أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري
100
تهذيب اللغة
ومنه قول اللَّه عزَّ وجلَّ في ذكر قوم لُوط وقولِهم في مؤمني قوم لوط : ( إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) * [ الأعرَاف : 82 ] أي يتنزهون عن إتيان الذُّكران . ويقال : فلانٌ طاهر الثياب : إذا لم يكن دَنِسَ الأخلاق . وقال امرؤ القيس : ثِيَابُ بني عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ * وأوجُهُهُمْ بِيضُ المَسافِرِ غُرّانُ وقول اللَّه عزّ وجلّ : ( وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ) [ آل عِمرَان : 15 ] يعني من الحيض والبول والغائط ، وماء طَهُور : أي يُتَطَهَّر به ، وكما تقول : وَضُوء ، للماء الذي يُتَوَضَّأ منه ، وكلُّ طَهُورٍ طاهِرٌ ، وليس كلّ طاهر طَهُوراً . ( فَإِذا تَطَهَّرْنَ ) [ البَقَرَة : 222 ] : اغتسلْنَ ، وقد تطَهَّرَت المرأة ، واطّهرت ، فإذا انقطع عنها الدم قيل : طَهَرت تطهُر فهي طاهر بلا هاء . وقوله عزّ وجلّ : ( هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ) [ هُود : 78 ] : أي أحَلُّ لكم ، والتطهُّرُ : التنزُّه عمّا لا يحلُّ ، ومنه قوله : ( إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) * [ الأعرَاف : 82 ] : أي يتنزهون عن أدبار النساء والرجال ، قاله في قوم لوط تهكّماً ، وقوله تعالى : ( أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ ) [ البَقَرَة : 125 ] يعني من المعاصي ، والأفعال المحرَّمة . وقال الفرَّاء في قول اللَّه جلّ وعزّ : ( وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) [ المدَّثَّر : 4 ] : قال بعضُ المفسِّرين : يقول : لا تكن غادِراً فتُدنِّسَ ثيابك ، فإنّ الغادر دَنِسُ الثّياب ، وقيل معنى قوله : ( وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) [ المدَّثَّر : 4 ] يقول : عَمَلَك فأَصْلِحْ . وقال بعضهم : ( وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) [ المدَّثَّر : 4 ] : أي قَصِّرْ ، فإنَّ تقصير الثِّياب طُهرٌ . و رَوى عِكرمة عن ابن عباس في قوله جلّ وعزّ : ( وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) [ المدَّثَّر : 4 ] يقول : لا تَلْبَس ثيابَك على معصية ولا فُجور وكُفر ، وأنشد قولَ غَيْلَان : إنِّي بحَمْدِ اللَّه لا ثَوْبَ غادرٍ * لَبِسْتُ ولا مِن خَزْيةٍ أَتَقنَّعُ قلت : وكلّ ما قيل في قوله عزّ وجلّ : ( وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ) فهو صحيح من جهة اللُّغة ، ومعانيها متقاربة ، واللَّه أعلم بما أراد . وأمّا قول اللَّه جلّ وعزّ : ( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ) [ الفُرقان : 48 ] فإنَّ الطَّهُور في اللغة هو الطَّاهر المطهِّر ، لأنّه لا يكون طَهوراً إلّا وهو يُتطهَّر به ، كالوضوء : الماءُ الذي يُتَوضّأ به ، والنَّشُوقِ : ما يُسْتنشَق به ، والفَطُورِ ما يُفطَرُ عليه من شرابٍ أو طعامٍ . و سُئل النبيُّ صلّى اللَّه عليه وسلّم عن ماءِ البحر فقال : « هو الطَّهورُ ماؤُه ، الحِلُّ مَيْتَتُه » : أراد أنَّه طاهر يُتطهر به . وقال الشافعيّ : كلُّ ماءٍ خَلقه اللَّه نازِلًا من السماء أو نابِعاً من عَين في الأرض أو بحرٍ لا صَنعةَ فيه لآدمِيّ غير الاسْتِقاء ، ولم يُغيِّرْ لَونَه شيءٌ يُخالطُه ، ولم يَتغير طعمُه منه فهو طهور ، كما قال اللَّه جلّ وعزّ : قال : وما عدا ذلك من ماءٍ وَرْدٍ أو وَرَقِ شَجَرٍ أو ماءِ يَسِيلُ من كَرْمٍ ، فإنه وإن كان طاهراً فليس بطهور .