أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري

51

تهذيب اللغة

بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ) [ آل عِمرَان : 103 ] قالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الاعتصامُ بحبل اللَّه هو تَرْكُ الفُرْقَةِ واتّبَاعُ القرآنِ ، وإيَّاه أَرَادَ عبدُ اللَّه بنُ مسعودٍ بقوله : عليكم بحبْل اللَّه فإِنَّه كتاب اللَّه . وقال ابن الأعرابي : الحِبْلُ الرجل العالِمُ الفَطِنُ الدَّاهي . قال وأنشدني المُفَضّل : فيا عجباً للخود تبدي قناعها * تُرَ أرِىءُ بالعيْنَيْنِ للرجُلِ الحِبْلِ يقال رَأْرَأَتْ بِعَيْنيها وغَيَّقَتْ وَهَجَلَتْ ؛ إِذَا أَدَارَتْه تَغْمِزُ الرَّجُلَ . قال أَبُو عبيد وأصْل الحَبْلِ في كلام العربِ يتصرَّف على وجوهٍ ، منها العَهْدٌ وهو الأَمَانُ ، وذلك أنَّ العربَ كانَتْ يُخِيفُ بعضُها بعضاً في الجاهلية ، فكانَ الرجلُ إذا أَرادَ سَفَراً أخذ عهْداً من سيد القبيلة ، فيأمنُ به ما دَامَ في تلك القبيلة حتى ينتهي إلى الأخرى فيأخُذُ مثل ذلك أَيْضاً يُرِيدُ به الأَمَانَ . قال فمعنى الحديثِ أَنَّهُ يقول : عَلَيْكُم بكتابِ اللَّه وتَرْكِ الفُرقة فإِنَّه أَمَانٌ لَكُمْ وعَهْدٌ من عذَاب اللَّه وعِقَابِه . وقال الأعشى يذكر مسيراً له : وإذا تُجَوِّزُها حِبَالُ قَبِيلَةٍ * أَخَذَتْ من الأُخرَى إليْكَ حِبَالَها قال : والحَبْلُ في غير هذا الموضِعِ المُوَاصَلَةُ وقال امرؤُ القيس : إني بحبلك وَاصِلٌ حَبْلي * وَبِريش نَبْلِك رائِش نَبْلي قال : والحَبْل مِنَ الرَّمْلِ المُجْتَمِعُ الكَثِيرُ العَالِي . الحرَّانِيُّ عن ابن السكيت قال : الحَبْلُ الوِصَالُ ، والحَبْلُ رَمْلٌ يستطيل ويمتد ، والحَبْلُ حَبْلُ العاتق ، والحَبْلُ الوَحِدُ مِنَ الْحِبَالِ . وهذا كلُّهُ بفَتْحِ الحاءِ . قال : والحِبْلُ الدَّاهية وجمعه حُبُولٌ وأنشد لكثير : فلا تَعْجَلي يا عَزُّ أَنْ تَتَفَهَّمِي * بِنُصْحٍ أَتَى الْوَاشُونَ أَمْ بِحُبُول وقال الآخرُ في الحبل بمعنى العهد والذّمة : ما زلتُ مُعْتَصِماً بِحَبلٍ منكُم * من حَلّ سَاحَتَكُمْ بِأسْبَابٍ نجَا بِحَبْلٍ أي بِعَهْدٍ وذِمَّةٍ . وقال الليث : حَبْلُ العَاتِق وُصْلَةٌ ما بين العاتِق والمَنْكِب . وحَبْلُ الوَرِيدِ عِرْقٌ يَدِرُّ في الحَلْقِ . والورِيدُ عرقٌ يَنْبِضُ من الحيوان لا دَمَ فِيه . وقال الفرَّاءُ في قول اللَّه جلّ وعزّ : ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) [ ق : 16 ] قال : الحَبْلُ هو الوَرِيدُ فَأُضِيفَ إلَى نَفْسِه لاختلافِ لَفْظِ الاسْمَيْنِ . قال والورِيدُ عِرْقٌ بَيْنَ الحُلْقُومِ والعِلْبَاوَين . وقال أَبُو عُبيد قال الأصمعيّ : من أَمْثَالهِم في تسهيلِ الحاجةِ وتَقْرِيبِها : هو عَلَى حَبْل ذِرَاعِك ، أي لا يُخَالفك : وحبل الذِّرَاع عِرْقٌ في الْيَدِ . وحِبَالُ الفَرَسِ عروقُ قوائِمِهِ . ومنه قول امرئ القيس : كأَنَّ نُجُوماً عُلِّقَتْ في مَصَامِه * بأمْرَاسِ كَتَّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ والأمْرَاسُ الحِبَالُ ، الواحدةُ مَرَسَةٌ ، شَبَّه عُروقَ قَوَائِمِه بِحبَالِ الكَتَّانِ ، وشبه صلابة