أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري
187
تهذيب اللغة
وقال ابن المظفّر : الحَيَوانُ كلٌّ ذِي رُوحٍ ، والجميع والواحد فيه سواءٌ . قالً : والحَيَوان مَاءٌ في الجنة لا يصيب شيئاً إلا حَيِيَ بإذن اللَّه . قال : واشتقاق الحيَّةِ من الحيَاةِ ، ويقال هي في أصل البناء حَيْوَة فأُدْغِمت الياء في الواو ، وجُعلتا ياءً شديدة . قال ومن قال لصاحب الحيَّاتِ حَايٍ فهو فاعلٌ من هذا البِنَاءِ وصارت الواو كسْرةً كواو الغازِي والعالي . ومن قال حَوّاء على فَعَّال فإنه يقول : اشتقاق الحيَّةِ من حَوَيْتُ لأنها تَتَحَوَّى في الْتوائها ، وكُل ذلك تقول العربُ . قلت : وإن قيل حَاوٍ على فاعل فهو جائز ، والفرْقُ بينه وبين غازِي أَنَّ عين الفعل من حاوٍ وَاوٌ وعينَ الفعل من الغازِي الزاي فبينهما فرق . وهذا يَجُوزُ على قولِ من جعل الحيَّة في أصل البناء حَوْيَةً . وقال الليثُ الحياءُ من الاستحياء ممدودٌ ورجل حَيِيٌّ بوزن فَعِيلٍ وامرأة حَيِيَّةٌ ويقال : استحيا الرجل واستحْيَتْ المرأةُ . قلت : وللعرب في هذا الحرف لغتان يقال اسْتَحى فلان يستَحِي بياءٍ واحدةٍ ، واستحْيَا فلان يَسْتَحيي بياءين . والقرآنُ نَزَلَ باللُّغة التامَّة . قال اللَّه جلَّ وعزَّ : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ) [ البَقَرَ : 26 ] . وأما قوله صلى اللَّه عليه وسلّم « اقْتُلوا شُيُوخَ المُشْركين واستَحْيُوا شَرْخَهُمْ فهو بمعنى استفْعِلُوا من الحياة أي استبْقوهم ولا تقتلوهم . وكذلك قول اللَّه ( يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ) [ القَصَص : 4 ] أي يستبْقِيهِنّ فلا يقتلُهن . وليس في هذا المعنى إلا لُغَةٌ واحدة . ويقال فلانٌ أحيا من الهَدِيِّ وأحيا من كَعَابٍ وأحيا من مُخَدَّرةٍ ومن مخبَّأَةٍ ، وهذا كله من الحياء ممدودٌ ، وأما قولُهم أحيا من الضَّبِّ فهي الحياةُ . وقال أبو زيد يقال حَيِيتُ من فعل كذا أَحْيَا حَيَاءً أي استَحْيَيتُ وأنشد : ألا تَحْيَوْنَ من تَكْثِيرِ قَوْمٍ * لِعَلَّاتٍ وأمُّكُمُ رَقُوبُ معناه ألا تَسْتَحْيُونَ . و رُوي عن النبي صلى اللَّه عليه وسلّم أنه قال « الحَيَاءُ شعبةٌ من الإيمان » . واعترض هذا الحديثَ بعضُ الناس ، فقال كيفَ جعل الحيَاءَ وهو غرِيزةٌ شعبةً من الإيمان وهو اكتسابٌ ؟ والجواب في ذلك أن المستحِي ينقطع بالحياءِ عن المعَاصِي وإن لم تكن له تقِيَّةٌ ، فصار كالإيمان الذي يُقْطعُ عَنْها ويحول بين المؤمنين وبيْنهَا ، وكذلك قِيلَ إذا لم تَسْتَحِ فاصنعْ ما شِئْتَ ، يُرَادُ أَنَّ من لم يَسْتَحِ صَنَع ما شَاءَ لأنّه لا يكون له حياءٌ يَحْجِزُه عن الفواحِش فيتهافَتُ فيها ولا يتوقّاها ، واللَّه أعلم . وأما قول اللَّه جلَّ وعزَّ مُخْبِراً عن طائفةٍ من الكفّار لم يؤمنوا بالبعث والنشور بعد الموت ( وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ ) [ الجَاثِيَة : 24 ] فإنّ أبا العباس أحمد بن