أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري
136
تهذيب اللغة
قال أبو حاتم : واعلم أن حيثُ وحينَ ظرفان ، فحينَ ظرفٌ من الزمان ، وحيثُ ظرفٌ من المكانِ ، ولكل واحدٍ منهما حدٌ لا يجاوزُه . والأكثر من الناس جعلوهما معاً حَيْثُ ، والصواب أن تقول : رأيتك حيثُ كنت ، أي الموضِع الذي كنتَ فيه ، واذهب حيثُ شئتَ ، أي إلى أيّ موضع شئت . وقال اللَّه جل وعز : ( فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما ) [ الأعرَاف : 19 ] . ويقال : رأيتك حين خَرَجَ الحاجُّ أي في ذلكَ الوقت ، فهذا ظرفٌ من الزمانِ ، ولا يَجُوزُ حيثُ خرجَ الحاجُّ ، وتقول : ائْتِنِي حينَ يقدم الحاجُّ ، ولا يجوز حيثُ يقدم الحاجُّ ، وقد صيَّر الناسُ هذا كلَّه حيثُ ، فليتعهد الرجلُ كلامَه ، فإذا كان موضعٌ يحسُن فيه أَيْنَ وأيُّ موضعٍ فهو حيثُ ؛ لأن أين معناه حَيْثُ . وقولهم حيثُ كانُوا وأين كانوا ، معناهما واحد ، ولكنْ أجازوا الجمعَ بينهما ، لاختلاف اللّفظين . واعلم أنه يحسن في موضع حينَ لَمّا وإذْ وإذَا ووقت ويوم وساعة ومتَى . تقول رأيتك لمّا جئتَ وحينَ جئتَ وإذْ جئت ، ويقال : سأعطيك إذَا جئت ومتى جئت . وقال ابن كَيْسَانَ حيث حرف مبني على الضَّمِّ وما بعدَهُ صِلةٌ له يرتفع الاسم بعدَه على الابتداء ، كقولك قمتُ حيثُ زيدٌ قائمٌ ، والكوفيّون يجيزون حذفَ قائمٌ ويرفعون زيداً بحيث ، وهو صِلَةٌ لها ، فإذا أظهروا قائماً بعد زيد أجازوا فيه الوجهين ، الرفعَ والنصبَ ، فيرفعون الاسمَ أيْضاً وليس بصلة لها وينصبون خبره ويرفعونه فيقولون : قامت مقام صِفَتَيْنِ ، والمعْنى زيد في موضِع فيه عمروٌ ، فعمرو مرتفع بفيه وهو صلةٌ للموضع ، وزيد مرتفع بفي الأولى وهي خبر ، وليست بصلة لشيء ، قال : وأهل البصرة يقولون حيث مضافةٌ إلى جملة فلذلك لم تخفِضْ ، وقد أنشد الفرّاء بيتاً أجاز فيه الخفض : أما ترى حيثُ سُهَيْلٍ طالعا فلمّا أضافَها فتحها كما يفعَل بِعنْدَ وخَلْفَ . ثعلب عن ابن الأعرابيّ : يقال : تركتهم حَاثِ باثِ : إذا تفرقوا . قال : ومثلهما من مُزْدَوِج الكلام خَاقِ بَاقِ ، وهو صوتُ حركةِ أبي عُمير في زَرْنَب الفَلْهم قَال وخَاشِ مَاشِ قُماشُ البيت ، وخَازِ بَازِ ورَمٌ ، وهو أيضاً صَوْتُ الذُّبَاب . وقال ابن الأعرابي الحاثِيَاء تُرابٌ يُخْرجه اليَرْبُوع من نافِقَائِه بُني على فَاعِلاء . حثى : وقال ابنُ الأنباري : الحَثَى قشور التمر بالياء وبالألف ، وهو جمع حَثَاةٍ وكذلك الثتى وهو جمع ثتَاةٍ قشورُ التمر ورديئه وقال الفراء الحثى مقصور دُقاق التِّبْن وحطامه وأنشد : ويأْكُلُ التمْرَ ولا يُلْقِي النَّوَى * كأَنَّه غِرَارَةٌ ملْأَى حَثَى ويقال للتُّراب الحَثَى أيضاً ومن أمثال العرب يا ليتني المَحْثِيُّ عليه ، قاله رجلٌ كان قاعداً إلى امرأة فأقبل وَصِيلٌ لها فلما رأَتْه حثَتْ في وجهه التراب تَرْئيَةً لجليسها بأن لا يدنوَ منها فيطلعَ على أمرهما . يقال ذلك عند تَمَنّي منزلةِ من تُخْفَى له الكرامة