أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري

34

تهذيب اللغة

رفعاً بدلًا من لا عاصِمَ . قال أبو العباس : وهذا خَلْف من الكلام ، لا يكون الفاعل في تأويل المفعول إلا شاذّاً في كلامهم ، والمرحوم معصوم والأول عاصم . و ( مِنَ ) نَصْب باستثناء المنقطع . وهذا الذي قاله الأخفش يجوز في الشذوذ الذي لا ينقاس . وقال الزجَّاج في قوله تعالى : قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ [ هود : 43 ] أي يمنعني من الماء . والمعنى : من تغريق الماء . قال : ( لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ) هذا استثناء ليس من الأول وموضع ( مِنَ ) نَصْب ، المعنى : لكن من رحم اللَّهُ فإنه معصوم . قال : وقالوا : يجوز أن يكون عاصم في معنى معصوم ، ويكون معنى لا عاصِمَ : لا ذا عصمة ، وتكون ( مِنَ ) في موضع رفع ، ويكون المعنى : لا معصوم إلا المرحوم . قلت : والحُذَّاق من النحويين اتّفقوا على أن قوله : لا عاصِمَ بمعنى لا مانع ، وأنه فاعل لا مفعول ، وأن ( مَنْ ) نصب على الانقطاع . والعِصْمة في كلام العرب : المَنْع . وعِصْمة اللَّه عبدَه : أن يعصمه ممَّا يُوبِقه . واعتصم فلان باللَّه إذا امتنع به . واستعصم إذا امتنع وأبى ، قال اللَّه تعالى حكاية عن امرأة العزيز في أمر يوسف حين راودته عن نفسه : فَاسْتَعْصَمَ [ يوسف : 32 ] أي تأبّى عليها ولم يجبها إلى ما طَلَبت . قلت : والعرب تقول : أعصمت بمعنى اعتصمت . ومنه قول أوْس بن حَجَر : فأشرط فيها نفسه وهو مُعْصِم * وألقى بأسبابٍ له وتوكّلا أي وهو معتصم بالحبل الذي دَلّاه . ويقال للراكب إذا تقحَّم به بَعيرٌ صَعْب فامتسَك بواسط رَحْله أو بقَرَبوس سَرْجه لئلا يُصرَع : قد أعْصَم فهو مُعْصِم . وقال الراجز : أقول والناقةُ بي تَقَحَّمُ * وأنا منها مُكْلئزّ مُعْصِم وروى أبو عُبيد عن أبي عمرو : أعصم الرجل بصاحبه إعصاماً إذا لزِمه ، وكذلك أخلد به إخلاداً . وقال ابن المظفر : أعصم إذا لجأ إلى الشيء وأعصم به . وقول اللَّه : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ [ آل عمران : 103 ] أي تمسَّكوا بعهد اللَّه . وكذلك قوله : وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ [ آل عمران : 101 ] أي من يتمسَّك بحبله وعهده . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه ذكر النساء المختالات المتبرِّجات فقال : « لا يدخل الجنَّة منهن إلّا مِثْلُ الغراب الأعصم » . قال أبو عبيد : الغراب الأعصم : هو الأبيض اليدين . ومنه قيل للوُعُول : عُصْم ، والأنثى منهنّ عَصْماء والذكر أعصم ، لبياض في أيديها . قال : وهذا الوصف في الغربان عزيز لا يكاد يوجد ، وإنما أرجلها حُمْر . قال : وأمَّا هذا الأبيض الظهرِ والبطن فهو الأبقع ، وذلك كثير ، قال : فيرى أن معنى الحديث : أن من يدخل الجنَّة من النساء قليل كقِلَّة الغِربان العُصْم عند الغِربان السُود والبُقْع . قلت : وقد ذكر ابن قتيبة