أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري
12
تهذيب اللغة
ماءً ثَجَّاجاً [ النّبأ : 14 ] روي عن ابن عباس أنه قال : المُعْصِرات : هي الرياح . قال الأزهري : سمّيت الرياح مُعْصِرات إذا كانت ذواتِ أعاصِير ، واحدها إعصار ، من قول اللَّه جلّ وعزَّ : إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ [ البقرة : 266 ] . والإعصار : هي الريح التي تَهُبُّ من الأرض كالعَمُود الساطع نحو السماء ، وهي التي يسمّيها بعض الناس الزّوْبَعة ، وهي ريح شديدة ، لا يقال لها إعصار حتى تَهُبّ كذلك بشدة . ومنه قول العرب في أمثالها : إن كنتَ ريحاً فقد لاقيتَ إعصارا يضرب مَثَلًا للرجل يَلْقَى قِرْنه في النَجْدة والبَسَالة . وقال ابن الأعرابيّ يقال : إعصار وعِصَار ، وهو أن تَهيج الريحُ الترابَ فترفعه . وقال أبو زيد : الإعصار : الريح التي تَسْطَع في السماء . وجمع الإعصار الأعاصير ، وأنشد الأصمعيّ : وبينما المرءُ في الأحياء مغتبِط * إذا هو الرَمْس تعفوه الأعاصير وروي عن أبي العالية أنه قال في قوله : مِنَ الْمُعْصِراتِ : [ النبأ : 17 ] إنها السحاب . قلت : وهذا أشبه بما أراد اللَّه جلَّ وعزَّ ؛ لأن الأعاصير من الرياح ليست من رياح المطر ، وقد ذكر اللَّه أنه يُنزل منها ماءً ثَجَّاجاً . العصر : المطر ، قال ذو الرمة : وتَبْسِم لَمْع البرق عن متوضّح * كلون الأقاحي شاف ألوانَها العَصْرُ وقولُ النابغة : تَنَاذرها الراقُون من سُوء سمّها * تراسلهم عصراً وعصراً تراجع عصراً أي مرّة . والعُصَارة : الغَلَّة . ومنه يقرأ . وفيه تَعْصِرون [ يوسف : 49 ] أي تستغلون . وعَصَر الزرع : صار في أكمامه . والعَصْرة شجرة . وقال الفرّاء . السحابة المُعْصِر : التي تتحلّب بالمطر ولما تجتمع ، مثل الجارية المعصر قد كادت تحيض ولما تحِضْ . وقال أبو إسحاق : المعصِرات : السحائب ، لأنها تُعْصِر الماء . وقيل مُعْصِرات كما يقال : أجزَّ الزرعُ إذا صار إلى أن يُجَزَّ ، وكذلك صار السحاب إلى أن يمطر فيعصر . وقال البَعِيث في المعصرات فجعلها سحائب ذوات المطر فقال : وذي أُشُر كالأُقحوان تشوفُه * ذِهابُ الصَّبَا والمُعْصِرات الدوالحُ والدوالح من نعت السحاب لا من نعت الرياح ، وهي التي أثقلها الماء فهي تَدْلَحُ أي تمشي مشي المُثْقَل ، والذِهاب الأمطار . وقال بعضهم : المعصِرات ، الرياح . قال : و ( مِنَ ) في قوله : مِنَ الْمُعْصِراتِ [ النبأ : 14 ] قامت مقام الباء الزائدة ، كأنه قال : وأنزلنا بالمعصرات ماء ثَجَّاجاً . قلت : والقول هو الأول . وأمَّا ما قاله الفرّاء في المُعْصِر من الجواري : إنها التي دنت من الحيض ولمَّا تحِض فإن أهل اللغة خالفوه في تفسير المعصر ، فقال أبو عُبَيد عن أصحابه : إذا أدركت الجاريةُ فهي مُعْصِر ، وأنشد : قد أعصرت أو قد دنا إعصارها