أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري

المقدمة 5

تهذيب اللغة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * المقدمة الحمد للَّه الذي أنزل الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ، والصلاة والسلام على نبينا محمد بن عبد اللَّه الذي أرسله ربه شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ، وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً . وبعد . . . فإن للّغة سلطان وقداسة تستمدهما من وحي السماء ، أو من إجماع أهل الأرض . وقديما قالوا إنها توقيفية أوحى بها اللَّه إلى عباده ليتفاهموا ويتعارفوا وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [ البقرة : 31 ] . ويزيدها قداسة أن تصبح لغة الدين والدنيا ، بها نزل القرآن وبها حفظ ، ونشأت حوله دراسات لغوية متنوعة . وفي اختيار اللَّه تعالى للغة العربية وعاء لكلامه ومجتلى لرسالته الخاتمة المعجزة الباقية مدى الدهر ، وأداة لتحديه المنكرين بالإعجاز القرآني ، ونصابا باهرا يرفع عليه المعجزة ويعلنها في معارض الخصام والمحاجة حول الأديان والمذاهب والآراء . . . في هذا كله شهادة وأية شهادة على تفرد العربية باحتلال قمة البيان الإنساني ، وبقائها على الدهر بحيث أصبحت لغة قديمة وحديثة معا : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ الحجر : 9 ] . ولقد عنى العرب عناية بالغة بجمع لغتهم وتسجيلها فتلقفها الرواة من البادية وأعدوا بذلك المادة الضرورية لوضع المعاجم اللغوية ، ولا نظن أن لغة ما - قديمة أو حديثة - توفر لها من المعاجم ما توفر للعربية . ففي القرن الثاني للهجرة افتتح الخليل بن أحمد عصر المعاجم الكبرى ، ثم تنافس اللغويون والنحاة بعده في تأليف معاجم مختلفة الحجم والمنهج . ولا يكاد يوجد قرن لم يوضع فيه معجم عربي جديد بل ربما وضع في القرن الواحد أكثر من معجم . ويعد القرن الرابع الهجري القرن الذهبي للمعاجم ، ففيه ظهر معجم ابن دريد ( 321 ه ) ، والأزهري ( 370 ه ) والصاحب بن عباد ( 385 ه ) وابن فارس ( 395 ه ) ، والجوهري ( 397 ه ) وإذا كان قد فقد بعض المعاجم العربية ، فإن أغلبها