أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري

المقدمة 28

تهذيب اللغة

من الكتب التي اعتمدت عليهما ، وعلى من أراد أن يقف على اقتباسات « التهذيب » أو « اللسان » أو « التاج » عن الليث ، فليعلم أن المقصود بذلك كتاب « العين » . والظاهرة الفريدة في متن « التهذيب » أنه انتفع بالفترة التي قضاها بين القرامطة فشافه الأعراب الذين كانوا ما يزالون يتكلمون العربية بالسليقة ، ورأى بعينه أماكن المياه والجبال ، وشاهد النباتات ووصفها وصفاً دقيقاً ، فمن ذلك قوله في مادة ( ح ن أ ) : « الحناءتان رملتان في ديار بني تميم ، ورأيت في ديارهم ركية تدعى الحناءة ، وقد وردتها ، وماؤها في صفرة » . وفي مادة ( ث ر م د ) : « ثرمداء : ماء لبني سعد في وادي الستارين وقد وردته ، يستقى منه بالعقال لقرب قعره » . وفي مادة ( ح ف ر ) : « والأحفار المعروفة في بلاد العرب ثلاثة : فمنها حفر أبي موسى ، وهي ركايا احتفرها أبو موسى الأشعري على جادة البصرة ، وقد نزلت بها واستقيت من ركاياها ، وهي ما بين ماوية والمنجشانيات . وركايا الحفر مستوية بعيدة القعر عذبة الماء . ومنها حفر سعد بن زيد مناة بن تميم وهي بحذاء العرمة وراء الدهناء يستقى منها بالسانية عند جبل من جبال الدهناء يقال له الحاضر » . وفي مادة ( ب ع ل ) : « وقد رأيت بناحية البيضاء من بلاد جذيمة عبد القيس نخلًا كثيراً عروقها راسخة في الماء . وهي مستغنية من السقي وعن ماء السماء تسمى بعلا » . وقد قال الأزهري بعد أن ذكر اختلاف آراء اللغويين في تحديد معنى النخل البعل ، فقال : « فرأيت أن أذكر لك أصناف النخل لتقف عليها » . وهكذا نرى الأزهري يعطينا المعلومات البكر وهو المنهج الذي ينادي به المستشرقون . فأبي منصور الأزهري كان من أسبق اللغويين لهذا المنهج قبل أن يظهر المستشرقون وقبل أن يُعرف الاستشراق ، وتراثنا العربي مملوء بالكثير من نماذج البحث العلمي الحديث ، ولكنها تحتاج إلى من يستكشفها . وناحية أخرى فريدة في متن « التهذيب » وهي أنه حين ينقل عن الأقدمين الذين سبقوه فإنه يناقشهم ويدخل معهم في معارك لغوية طريفة ، مما يظهر لك بجلاء شخصية الأزهري في « التهذيب » ، فهو ليس سلبياً كغيره من المتأخرين ، فالسيوطي - مع جلالة قدره - يذكر لك في المسألة الواحدة في « المزهر » مثلا عدة آراء وبعضها يتضارب مع البعض الآخر ، ولكنك لا تكاد تخرج منها برأي السيوطي نفسه ، أو بترجيحه لبعضها . وابن منظور قد صرح في مقدمة « اللسان » بأنه جمع مواده من الأمهات اللغوية التي سبقته . ومن الظواهر التي تثبت شخصية الأزهري القوية ورسوخ علمه ما جاء في التهذيب مادة ( ع ب د ) :