أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري

المقدمة 11

تهذيب اللغة

نشأة وتطور المعاجم العربية « 1 » سبق العرب الأمم الأخرى على اختلاف أجناسها إلى تأليف المعاجم اللغوية ووضع الأسس لجمع مفردات اللغة وتحديد معانيها ، وبيان مشتقاتها ، ابتداء من القرن الثاني الهجري إلى زماننا هذا . فكان منها المعاجم الصغيرة التي يمكن للفرد أن يستفيد منها في سهولة ويسر ، وكان منها المعاجم الكبيرة التي قد تصل إلى عشرين مجلدا أو أكثر ، والتي هي أشبه بالموسوعات اللغوية الأدبية منها بالمعاجم . بدأت الحركة المعجمية عند العرب في منتصف القرن الأول للهجرة ، وكان غرضها تفسير غريب القرآن الكريم ، والحديث النبوي الشريف . ويعرف هذا النشاط في التاريخ اللغوي ب « معرفة الغريبين » ، وأقدم مظاهر هذا النشاط « سؤالات نافع من الأزرق » لابن عباس رضي اللَّه عنه . . . على أن أقدم كتاب وضع في « غريب القرآن » صنعه ( أبان بن تغلب ، ( المتوفى 140 ه ) ، وبعده كتاب مؤرّج السدوسي ، ( المتوفى 195 ه ) . ثم إنه بعد طروء ظاهرة اللحن بسبب اختلاط العرب بغيرهم من الأمم ، ودخول الناس أفواجا في دين الإسلام باتت الرغبة ملّحة لجمع اللغة الفصيحة من أفواه أصحابها قبل أن يفسدها الأعاجم . ومنذ القرن الثاني الهجري صارت العربية تحصل بالدراسة لا بالممارسة ، وغدت المادة المعجمية ضرورية لهذه الدراسة . وقد مرت حركة التأليف المعجمي عند العرب بعدة مراحل مبتدئة في القرن الهجري الثاني ، وأخذت تنمو تدريجيا حتى نضجت واكتمل نموها في القرن الرابع الهجري . ويمكن تحديد هذه المراحل كالآتي : المرحلة الأولى : وهي مرحلة تدوين ألفاظ اللغة وتفسيرها بدون ترتيب . وقد سبق التدوين عملية الجمع التي قام بها الرواة والعلماء منذ أواخر القرن الهجري الأول وخلال القرن الهجري الثاني ، عن طريق السماع من عرب البادية واتصالهم المباشر بهم أو أثناء قدومهم إلى المدن ، فضلا عن اعتمادهم على القرآن الكريم والحديث النبوي والأدب ثم أخذ بعض

--> ( 1 ) انظر « المعاجم والمصطلحات » للدكتور حامد صادق فنيبي .