محمد بن الحسن بن دريد الأزدي

29

جمهرة اللغة

تحقيق الكتاب عندما أقدمت على تحقيق جمهرة ابن دريد كنت أعلم أن التصدّي لمثل هذا المؤلّف عمل صعب ، وإن كان قد فاتني تقدير مبلغ الصعوبة حقّ التقدير ، ولا سيّما لأنني ألزمت نفسي بمنهج صارم في التحقيق وتخريج الشواهد ومقارنة المواد بنظائرها في المعجمات . وقد طبعت الجمهرة في حيدر أباد الدّكن 1344 - 1351 في ثلاثة أجزاء بعناية الشيخ محمد السورتي والمستشرق الألماني فريتس كرنكو ( سالم الكرنكوي ) ، وذيّلت بجزء رابع معظمه فهارس للألفاظ . وإن مجرّد نشر الجمهرة عمل جدير بالثناء والتقدير ، غير أنه لا يخفى أن تلك النشرة لا تستكمل شروط التحقيق العلمي الدقيق ، وأنها ليست لائقة بمكانة هذا المؤلّف في تاريخ التأليف المعجمي العربي . فنصّ المطبوعة مليء بالتحريف وأخطاء الضبط ( وقد نبّه الدكتور حسين نصار إلى شيء من هذا في كتابه ) « 1 » ، ولا يغني عن ذلك شيئا ثبت الأخطاء في آخر الجزء الثاني . وإلى ذلك تكاد تلك النشرة تخلو خلوّا تامّا من تخريج الشواهد ، وهذا عيبها الأكبر . ثم إن المحقق زاد في مواضع كثيرة أسماء الشعراء قبل الشاهد مباشرة فالتبس الأصل بالزيادة حتى ليظنّ القارئ أن ابن دريد نصّ على نسبتها ، وهو خلاف ما في النسخ . ولا يكفي لرفع اللبس هذا أن يضع المحقق خطا فاصلا ليدل على أنه مزيد « 2 » ! والدليل أنك تجد في هوامش كتب التراث المحققة إشارات إلى نسبة ابن دريد لشواهده ، ولا وجود للنسبة في النسخ في كثير من الأحيان . أما فهارس المطبوعة ، وإن كانت تيسّر الرجوع إلى الكتاب إلا أن القسم المتعلّق بالألفاظ منها مضخّم إلى أبعد الحدود ، وذلك أن صانعها لم يكتف بالإشارة إلى موضع ورود المادّة ، بل ذكر موضع مشتقّاتها جميعا فأفضى ذلك إلى زيادة غير ذات فائدة لأن هذه المشتقّات ، بغالبيتها العظمى ، تأتي في موضع ورود الجذر ، أو مواضع وروده ، لا في موادّ أخرى . فمادة ( عبر ) مثلا جاءت في موضعين من

--> ( 1 ) المعجم العربي : نشأته وتطوره ، 433 مثلا . ( 2 ) مقدمة المطبوعة 1 / 19 .