محمد بن الحسن بن دريد الأزدي
20
جمهرة اللغة
واضطراب فقال : « وربما يعتذر لابن دريد بأن يقال إنه أملى كتاب الجمهرة إملاء من حفظه ، غير أن الإملاء إنما يحسن في نوادر الأدب لا في اللغة » « 1 » . وإلى ذلك فالإملاء ، كما ذكر السيوطي ، أفضى إلى اختلاف نسخ الجمهرة : « وقال بعضهم : أملى ابن دريد الجمهرة في فارس ، ثم أملاها بالبصرة وببغداد من حفظه ، ولم يستعن عليها بالنظر في شيء من الكتب إلّا في الهمزة واللفيف ، فلذلك تختلف النسخ » « 2 » . ورغم ذلك كله تبقى الجمهرة في إملائها شاهدا على سعة مؤلّفها وصحّة علمه ، حتى إننا نجد تطابقا في الشروح والشواهد في المواطن المكرّرة ولا نكاد نقع على تضارب أو تناقض . فمادة ( ش أو ي ) بتقاليبها المحتملة جاءت ص 239 و 883 وفي الموضعين تطابق عجيب في الشروح والشواهد ، وكذلك في سائر المعتلّ والمهموز مما كرّر في الثنائي والثلاثي . ولا عجب لهذا أن نرى ياقوت الحمويّ « 3 » يجعل إملاء ابن دريد دون الاستعانة بالكتب إلا في باب الهمزة واللفيف شاهدا على أن الرجل متمكن « من علمه كلّ التمكن » « 4 » . ومع هذا التمكن ، لم يسلم ابن دريد من الألسن كما لاحظ ياقوت ، ولا سيما في هجاء نفطويه له إذ قال « 5 » : ابن دريد بَقَرَهْ * وفيه عِيٌّ وشَرَهْ ويدّعي من حُمْقه * وَضْعَ كتاب الجمهرهْ وهو كتاب العين إلا * أنه قد غيّرهْ وهذا الكلام لا يمكن حمله إلا على المنافرة بين الرجلين ، فلابن دريد فيه هجاء إذ يقول « 6 » : لو أنزلَ الوحيُ على نِفطويه * لكان ذاك الوحي سُخطا عليه وشاعرٍ يُدعى بنصف اسمه * مستأهلٌ للصفع في أخدعيه أحرقه اللّه بنصف اسمه * وصيَّر الباقي صُراخا عليه وقد نبّه السيوطي على أنه « قد تقرّر في علم الحديث أن كلام الأقران في بعضهم لا يقدح » . غير أن التهمة التي تضمّنها هجاء نفطويه ابن دريد ظلّت تلاحقه حتى عصرنا هذا ، فقد وهم بعض المحدثين أن مقولة نفطويه صحيحة . ففي إحدى حواشي المعرّب بتحقيق أحمد محمد شاكر : « والعبارة الآتية ذكرها ابن دريد بنصّها في الجمهرة ونسبها للخليل . وكتاب الجمهرة مقتبس من كتاب العين ، أو هو كما قال بعضهم : وهو كتاب العين إلا / أنه قد غيّره » « 7 » . ويقول آخر في كلام له عن التقليد في تصنيف المعاجم
--> ( 1 ) الجاسوس على القاموس 521 . ( 2 ) المزهر 1 / 94 . ( 3 ) معجم الأدباء 18 / 138 ؛ وهو النص الذي أخذ عنه السيوطي . ( 4 ) يذكر أيضا أن ما ينقله ابن دريد عن أبي عبيدة في مجاز القرآن - وهو معتمده في التفسير - يطابق إجمالا ما في المجاز ، وفي هذا دليل على ما نحن فيه . وقد نبّهنا في هوامش التحقيق على جميع المواضع التي أخذ منها ابن دريد عن مجاز أبي عبيدة . ( 5 ) معجم الأدباء 18 / 138 ، والمزهر 1 / 94 . ( 6 ) المزهر 1 / 93 - 94 . ( 7 ) المعرّب 288 ، الحاشية الأولى .