أبو علي سينا
257
النفس من كتاب الشفاء ( تحقيق حسن زاده آملى )
فيحفظ ما يأخذه ، ولا يكون حرك النفس مطاوع المادة لأفعال التخيل واستعراضاته ومن الناس من يكون بالعكس . وأسرع الناس تذكرا أفطنهم للإشارات ، فإن الإشارات تفعل نقلا عن المحسوسات إلى معان غيرها ، فمن كان فطنا في الإشارات كان سريع التذكر . ومن الناس من يكون قوى الفهم ولكن يكون ضعيف الذكر ويكاد أن يكون الأمر في الفهم والذكر بالتضاد ، فإن الفهم يحتاج إلى عنصر للصور الباطنة شديد الانطباع ، وإنما تعين عليه الرطوبة ، وأما الذكر فيحتاج إلى مادة يعسر انفساخ ما يتصور فيها ويتمثل ، وذلك يحتاج إلى مادة يابسة ، فلذلك يصعب اجتماع الأمرين . فأكثر من يكون حافظا هو الذي لا تكثر حركاته ولا تتفنن هممه ، ومن كان كثير الهمم كثير الحركات لم يذكر جيدا ، فيحتاج الذكر مع المادة المناسبة إلى أن تكون النفس مقبلة على الصورة وعلى المعنى المستثبتين إقبالا بالحرص غير مأخوذة « 1 » عنهما باشتغال آخر ، ولذلك كان الصبيان مع رطوبتهم يحفظون جيدا ، لأن نفوسهم غير مشغولة بما تشتغل به نفوس البالغين ، فلا تذهل عما هي مقبلة عليه بغيره . وأما الشبان فلحرارتهم واضطراب حركاتهم مع يبس مزاجهم لا يكون ذكرهم كذكر الصبيان والمترعرعين « 2 » ، والمشايخ أيضا يعرض لهم من الرطوبة الغالبة أن لا يذكروا ما يشاهدون . وقد يعرض مع التذكر من الغضب والحزن والغم وغير ذلك ما يشاكل
--> ( 1 ) - في تعليقة نسخة : اخذ بمعنى انقطاع وبازداشتن . ( 2 ) - ترعرع الصبى تحرك ونشأ والسن قلقت وتحركت . وسنّ الترعرع هو بعد الشدة ونبات الانسان وقبل المراهقة .