أبو علي سينا

216

النفس من كتاب الشفاء ( تحقيق حسن زاده آملى )

ولمثل هذا السبب ما يرى الشئ السريع الحركة إلى الجانبين كشيئين . لأنه قبل أن انمحى عن الحس المشترك صورته وهو في جانب يراه البصر وهو في جانب آخر فيتوافى « 1 » إدراكاه في الجانبين معا . وكذلك إذا دارت نقطة ذات لون على شئ مستدير رؤيت خطا مستديرا ، وإذ امتدت بسرعة على الاستقامة رؤيت خطا مستقيما . ونظير هذه الحركة الدوار ، فإنه إذا عرض سبب من الأسباب المكتوبة في كتب الطب فحرك الروح الذي في التجويف المقدم من الدماغ على الدور « 2 » ، وكانت القوة الباصرة تؤدى إلى ما هناك صورة محسوسة ، فالجزء من الروح القابل لها لا يثبت مكانه ، بل ينتقل ويخلفه جزء آخر يقبل تلك الصورة بعد قبوله وقبل انمحائها عنه . وكذلك على الدور ، فيتخيل أن المرئيات تدور وتتبدل على الرائي ، وإنما الرائي هو الذي يدور ويتبدل على المرئى . وإذا كان القابل ثابتا وتحرّك الشئ المبصر بسرعة انتقل لا محالة شبحه الباطن من جزء من القابل إلى جزء آخر ، فإنه لو كان الشبح يثبت في ذلك الجزء بعينه لكان نسبة القابل مع المقبول واحدة ثابتة . فإذن إذا عرض لحامل الشبح أن ينتقل عن مكانه انتقل الشبح لا محالة ، فتغيّرت نسبته إلى الجسم الذي من خارج ، فعرض ما يعرض لو كان الشئ الذي من خارج ينتقل . وأيضا فإن الناظر في ماء شديد الجرى يتخيل له أنه هوذا يميل عن جهة ويسقط إليها ، والسبب في ذلك أنه يتخيل الأشياء كلها تميل إلى خلاف جهة ميل الماء ، فإن شدة الحركة الموجبة لسرعة المفارقة توهم أن

--> ( 1 ) - فتوافى ، نسخة . ( 2 ) - متعلق بقوله : « فحرك » .