سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

93

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

يذكرون ! وإن أيقظتهم لا يفيقون ، بل هم في غفلتهم راقدون ، وعلى القدر كل شيء يحيلون ! « ولو عملوا بالقانون الإلهي وبقوله : « وَأَن لَيْس لِلإنسانِ إلّا مَا سَعَى » [ النجم : 39 ] لكان أوفر خيرا للأمة و « السعي » أدل السبل على النجاح وأحسن ما تربى عليه الناشئة » . قال : « أما انتشار اللسان العربي فيما عدا بلادهم ، فليس للفاتحين أدنى دخل فيه ولا تخذوا له أسبابا ووسائل ، بل إن ما وجد في اللسان العربي من الآداب الباهرة والحكم والأمثال والمواعظ ، ذلك هو الذي أحله من الانتشار هذا المحل . « حتى أن العرب قبل الإسلام وهم في تلك الحالة الجاهلية والبداوة المحضة وبُعدهم عن كل حضارة ، كانوا يحلون بآداب لسانهم من أعظم الملوك مثل كسرى أنوشروان - محلا رفيعا - ويأخذون الجوائز ويثرون بتجارتهم مع الأعاجم ، بآداب لسانهم وما يجري على ألسنتهم من الحكمة التي تأخذ بمجامع القلوب . « هكذا كان الذكاء العربي ، الفطري ، المتوقد ، يناسبه سلاسة اللسان وآدابه . فكان إذا ظهر بين العرب ، حكيم طبيب مثل « الحرث بن كلدة » مثلا - استطاع بآداب اللسان وفرط الذكاء أن يقارع ويضارع ، أكبر حكيم من الفرس مع حضارته ومدنيته ! « وكذلك الشاعر في قبيلته إذا نبغ ولو كان وضيع النسب أجلَّته القبيلة واعتبرته حامي ذمارها بأدبه وشعره وأغنته بالمال والماشية . « وأما في الحضارة الإسلامية وفي دولها ، فكثير ممن برع بالأدب فأوصله إلى مرتبة الوزارة فالإمارة ، وأما من أثرى بأخذ جوائز الخلفاء والملوك من الأدباء فلا يعدون كثرة . « هذا بعض ما لآداب اللسان من التأثير المادي ، وأما التأثير المعنوي فيكفي أنه من أكبر الجوامع التي تجمع الشتات وتنزل من الأمة منزلة أكبر المفاخر . فكم رأينا من دول اغتصب ملكها الغير ، فحافظت على لسانها محكومة وترقبت الفرص ونهضت بعد دهر ، فردت ملكها وجمعت من ينطق بلسانها إليها والعامل في ذلك إنما هو اللسان ، قبل كل ما سواه ولو فقدوا لسانهم ، لفقدوا تاريخهم ، ونسوا مجدهم ، وظلوا في الاستعباد ما شاء الله » .