سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

86

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

« فمتى تم لقوم من سكان الأرض أو لأهل إقليم أو مصر تلك الجوامع أو الخواص الخمس المميزة وحصلت المساواةبها ، بين العموم منهم وتأثروا بمؤثراتها ، أصبحت دعوى الكفاءة بينهم ميسورة وأمر التميز أو تعين الأفضلية غير ميسور . فإذا أضفنا إلى ذلك - الغرور ، ورضاء كل إنسان عن نفسه وتعاميه عن نقص ذاته وبالإجمال : « التأله الموجود في البشر » ! كما قال « ابن خلدون » علمنا مقدار مايعانيه الفرد من قوم قد ساوت بينه وبينهم الطبيعة ، أن يظفر بالميزة عليهم ويرضخهم للاعتراف بها بدون توسط القهر والغلب أو بدون التذرع بالدعوة الدينية للوصول إلى ذلك الغرض . فإذا امتنع القهر فلابد من الوفود على القوم ( فردا كان أو جماعة ) بشيء غير ما تعودوا عليه من خواصهم الإقليمية ، على شرط أن يكون خيرا مما ألفوه ، ليكون الأخذ به أسرع وللبقاء أدعى » . ثم قال لزيادة الإيضاح : « انظروا إلى العالم الغربي ، ترونه على تقسيماته الحاضرة واستقلال عناصره بميزاتهم القومية ، لما تساووا على الوجه النسبي بالفضيلة ( وأهمها العلم بالواجبات سواء كانت لهم ومعرفة وجود المطالبة بها أو عليهم والمسارعة لأدائها ) انتفى من بين ظهرانيهم أمر التفرد بالسلطة وسوق الأمة على هوى السلطان . وسينتفي ما بقي في العالم البشري من هذا النوع من الحكم المطلق على سنن التدريج ومقتضيات الفطرة . « أصبح الأوروبيون اليوم والكل في وقت واحد ، حاكما لنفسه ، محكوما منها بعامل الحكم الشوري ، وصارت كل أمة من تلك الأمم في مأمن من أن ترضخها القوى أوالمييزات في مجاوريها ، فتستهويها للانقياد لها ، بالاعتقاد أنها من طبقة فوق طبقتها ، لا بفعل الغلب ولا بالتشبه والتقليد الأعمى ، لأن الفرق من حيث الفضائل وأسباب الرقي نذر يسير والعمل بما يستحسنه البعض من الآخر ، غير عسير